روسيا والصين وكوريا الشمالية شراكة أم محوراً في طور الإنشاء
بواسطة :
من المعروف أن روسيا والصين ترتبطان بعلاقات دبلوماسية مع كوريا الشمالية، تعود لأكثر من 75 عامًا، ولكن هذه العلاقات شهدت تطورا مثيرا للاهتمام، فقد وقعت روسيا وكوريا الشمالية اتفاقية شراكة استراتيجية ودفاع مشترك، في يونيو 2024م، وكانت الصين قد جددت، في عام 2021م، مع كوريا الشمالية معاهدة عام 1961م، التي تتضمن بندا للدفاع مشترك بينهما.
وهنا يُطرح تساؤلات بشأن هذه التطور، وهل هو بمثابة قيام «محور ثلاثي» بين هذه الدول، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار مواقفها المناوئة للغرب، وما مدى قدرتها على القيام بعمل موجه ضد المصالح الغربية؟ ([i]) أم أنه لا يوجد دليل يذكر، كما يرى آخرون، على وجود مثل هذا المحور، بخلاف المساعدة الحالية من الصين وكوريا الشمالية للحرب الروسية في أوكرانيا والتي لن تدوم بعد الحرب. ([ii])
وبما أن هذه الورقة تسعى إلى فهم المؤشرات وطبيعة العلاقات بين الدول الثلاث حتى التحقق مما إذا كانت لديها نية استراتيجية لتشكيل محور بينها؟ أم لا؟ فإنها سوف تتناول دراسة تاريخ التفاعلات بين هذه الدول، مُسلِّطةً الضوء على مواطن الاختلاف بين الصين وروسيا في التركيز على كوريا الشمالية، قبل نشوب الحرب الروسية أوكرانيا، في 24 فبراير 2022م، وذلك لتقييم ما إذا كان محورا ثلاثيا قد تشكّل بينها، بعدها، أم لا. كما تتناول أيضا أدلةً على التعاون المؤسسي، وتنسيق المساعدات العسكرية الصينية والكورية الشمالية المُقدَّمة لروسيا في حربها مع أوكرانيا، ووجهات نظر الخبراء الروس والصينيين بهذا الشأن. ثم هل هناك عقبات تعترض تشكيل هذا المحور الثلاثي.
.
.
متابعة القراءة
أولاً: الاتجاهات الحديثة في العلاقات بين الدول الثلاث:
قبل الحرب الروسية في أوكرانيا، اتبعت روسيا والصين أجندة متداخلة، ولكنها ليست متطابقة، بشأن أمن كوريا الشمالية ([1]) ففي اتفاقية 4 يوليو 2017م، وهي أول بيان مشترك لهما بشأن الأمن الكوري، اقترحت الصين وروسيا وقفًا مؤقتًا لاختبارات كوريا الشمالية للأسلحة النووية والباليستية، مقابل تعليق التدريبات الأمريكية الكورية الجنوبية. كما حثتا على الامتثال لقرارات الأمم المتحدة في هذا الشأن واستئناف الحوار الأمني وإنشاء هيكل أمني إقليمي. ([2])
وقد مزجت هذه الاقتراحات بين مفهوم روسيا عن «التقدم الموازي» مع فكرة «التجميد المزدوج» الصينية، وبالنسبة لروسيا، فكان الهدف هو إثبات أهميتها كشريك أمني في شمال شرق آسيا والمساهمة في تطوير هيكل أمني إقليمي ([3]) أما بالنسبة للصين، التي لعبت دورًا رئيسيًا في الجولات السابقة من المحادثات حول البرنامج النووي الكوري الشمالي، اعتبرت تعليق التدريبات العسكرية الأمريكية مع كوريا الجنوبية هدفها الرئيسي. ([4])
وعلى الرغم من معارضة روسيا والصبن لنشر الولايات المتحدة أنظمة الدفاع الصاروخي الباليستي «ثاد» (THAAD) على أراضي كوريا الجنوبية، إلا أن الصين لم تكتف بذلك؛ فقد فرضت عقوبات اقتصادية على سيول، أدت إلى تقلص السياحة الصينية في كوريا الجنوبيةـ وبعض الاستثمارات الكورية الجنوبية في الصين، بينما استمرت روسيا في النظر إليها كشريك مهم لتنمية الشرق الأقصى الروسي والقطب الشمالي.
وفي عام 2018م، عقدت الصين وروسيا وكوريا الشمالية عدة جولات من المحادثات الثلاثية؛ لتنسيق مواقفها بشأن المحادثات النووية مع الولايات المتحدة، وبعد نشوب الحرب الروسية الأوكرانية، برز «كيم جونغ أون» كداعم رئيسي لروسيا في الأمم المتحدة، وهي خطوة اعتبرها المراقبون حاسمة لظهور شبه تحالف بين البلدين، حيث منحت كوريا الشمالية الاعتراف الدبلوماسي للأراضي التي احتلتها روسيا في دونيتسك ولوغانسك، كما صوتت دعمًا للمواقف الروسية بشأن أوكرانيا عدة مرات في الأمم المتحدة. ([5])
في عام 2023م، كافأت روسيا دعم كوريا الشمالية لها بمساعدات غذائية وشحنات نفط، ثم بدأ مسؤولو البلدين في تبادل الزيارات رفيعة المستوى، فيما بين منتصف يوليو 2023م، ويوليو 2024م، قبلها حضر «كيم جونغ أون» المنتدى الاقتصادي للشرق الأقصى الروسي في سبتمبر 2023م بمدينة فلاديفوستوك، حيث التقى بالرئيس فلاديمير بوتين وزار قاعدة فوستوتشني الفضائية. ([6]) وفي ذلك العام بدأت كوريا الشمالية في توريد الذخائر والصواريخ إلى روسيا ([7]) وفي المقابل، زودت روسيا كوريا الشمالية بتكنولوجيا الصواريخ والفضاء، تبع ذلك إجرائها اختبارا صاروخيا ناجحا، في ديسمبر 2023م، ثم إطلاق قمر صناعي، في فبراير 2024م ([8])
وفي 28 مارس 2024م، استخدمت روسيا حق النقض (Veto) ضد قرار لمجلس الأمن، كان من شأنه تمديد ولاية لجنة الخبراء التي تراقب العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية، مما أدى فعليًا إلى إنهائها. وامتنعت الصين عن التصويت على القرار. ولاحقًا في الاتفاق الصادر بعد اجتماع القمة بينهما، في مايو 2024م، صرّح الرئيس الصيني «شي جين بينج» ونظيره الروسي «فلاديمير بوتين» بضرورة إنهاء العقوبات والقمع والترهيب ضد كوريا الشمالية لدفعها نحو التفاوض. ([9])
في أبريل 2024م، زار «تشاو لي جي» الرئيس الرسمي للمجلس الوطني لنواب الشعب وثالث أعلى مسؤول بالحزب الشيوعي الصيني، كوريا الشمالية لتعزيز العلاقات والاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين للعلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين. وفي الشهر التالي، التقى «شي» و«بوتين» في بكين، وفي يونيو 2024م، ثم التقى بوتين مع «كيم جونغ أون» في بيونغ يانغ، ووقع الزعيمان معاهدة للشراكة الاستراتيجية الشاملة، بما في ذلك بند الدفاع المشترك. ([10]) في وقت كان الدبلوماسيون الصينيون يزورون سيول، حيث شارك نائب وزير الخارجية ونائب مدير مكتب التعاون الدولي للجيش الصيني، في الحوار الوزاري 2+2 الدبلوماسي والأمني. وقد جاءت هذه الزيارة بعد ثلاثة أسابيع من أول قمة ثلاثية مع اليابان، منذ خمس سنوات على مستوى رؤساء الوزراء. وأثار البيان الذي وقعته الدول الثلاث، والذي يدعو إلى شبه جزيرة كورية خالية من الأسلحة النووية، انتقادات علنية غير عادية من جانب كوريا الشمالية. ([11])
ثانياً: هل هو محور في طور الإنشاء؟
ما الذي نحتاج لرؤيته في حال وجود محور؟ هل يتطلب ذلك وجود أكثر من مجرد قواعد استبدادية مشتركة وتوجه معادٍ للغرب؟ حتى روسيا والهند والصين تجري حوارات ثلاثية منتظمة، لكن لم يرق ذلك إلى مستوى الانخراط في محور؛ نظرًا للتوترات الكثيرة في العلاقات الصينية الهندية. وعلى الرغم من دعم الصين للتطوير العسكري لكوريا الشمالية على مر السنين، إلا أن هناك أدلة قليلة على وجود تنسيق فعال للدعم العسكري الصيني والكوري الشمالي لروسيا في أوكرانيا، لكن توجد أدلة على دعم واسع بين النخب الروسية والصينية لمثل هذا المحور، خاصة في روسيا. ولكن هناك العديد من المنتقدين أيضًا.
لا يوجد تعاون مؤسسي بين روسيا والصين وكوريا الشمالية، ولم تُجرِ أي مناورات عسكرية ثلاثية حتى الآن. ووفقًا للمخابرات الكورية الجنوبية، اقترحت روسيا إجراء مناورة بحرية ثلاثية في عام ٢٠٢٣م، ولكن لم تُجرَ أي مناورات حتى الآن. ([12]) وفي سبتمبر ٢٠٢٤م، شاركت كوريا الشمالية بصفة مراقب لأول مرة في مناورة OKEAN-24 البحرية الروسية واسعة النطاق. ([13])
هناك أدلة قليلة على الدعم الصيني المباشر للمساعدات العسكرية الكورية الشمالية لحرب روسيا في أوكرانيا. فبدءاً من أكتوبر 2024م، بدأت كوريا الشمالية في إمداد جبهة كورسك بقوات يُعتقد أنها بلغت 11000 جندي، والتي استوفت معيار الدفاع المتبادل لاتفاقية روسيا وكوريا الشمالية ([14]). وقد جاء هذا بعد بضعة أشهر من اقتراح الصين والبرازيل سلام لأوكرانيا في مايو 2024م، يدعو إلى خفض التصعيد وعدم توسيع ساحة المعركة أو تصعيد القتال. ([15])
كما حثت إدارة الرئيس الأمريكي «جو بايدن» الصين على نقل رسالة إلى «كيم جونج أون» للحد من استخدام القوات الكورية الشمالية في أوكرانيا، والتأكيد على العواقب السلبية لاستمرار هذا الدعم. ([16]) لطالما نظرت الولايات المتحدة إلى الصين لاستخدام نفوذها الاقتصادي على كوريا الشمالية لحثها على التعاون مع المعايير الدولية، ولم تكن هذه الحالة استثناءً؛ لأن دعم الصين الواسع النطاق لحرب روسيا، وإن لم يصل إلى حد المساعدة المباشرة في القتال، يُعطي مصداقية لموافقة بكين الضمنية (أو على الأقل عدم رفضها الصريح) للمساعدات العسكرية المباشرة التي تقدمها كوريا الشمالية لموسكو. علاوة على ذلك، أفادت التقارير أن إحدى السفن الكورية الشمالية المستخدمة في شحنات الأسلحة إلى روسيا كانت تخضع للصيانة في ميناء صيني، مما يشير إلى وجود دعم محدود من جهة صينية. ([17])
ويرفض العديد من الخبراء الروس والصينيين فكرة إقامة محور ثلاثي مع كوريا الشمالية. فيشير الروس منهم لهذا المحور إلى مواقف بلادهم الراسخة المعارضة للانتشار النووي في شبه الجزيرة الكورية، ومصالحها في السياسة في التعامل مع كوريا الجنوبية. أما الصينيون، فيمثلون قاعدة معارضة أوسع؛ نظرًا للتحدي الجوهري الذي سوف يشكله هذا المحور على مبادرات «شي جين بينغ» الأمنية، وكذلك على مصالح الصين في أوروبا وآسيا والجنوب العالمي.
وعلى الرغم من أن بعض الخبراء الروس والصينيين ينظرون لإنشاء محور روسيا والصين وكوريا الشمالية على أنه استجابة لظهور حلف شمال الأطلسي الآسيوي وللضغوط المتزايدة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إلا أن هناك معاضة كبيرة ضد هذا الرأي في كلا البلدين([18]) وينتقد المحللون الصينيون بشكل أكثر اتساقًا المحور الثلاثي مع روسيا وكوريا الشمالية، ويرون أن الغرب يحاول تقسيم العالم إلى معسكرات وفصل الصين عن الجنوب العالمي من خلال ربطها بـ «الشرق» مع روسيا وكوريا الشمالية.([19])
يُقرّ «تشاو لونغ» الباحث في معهد شنغهاي للدراسات الدولية، بوجود بعض الدعم في روسيا للتعاون الثلاثي مع الصين وكوريا الشمالية. ويُقرّ أيضا بأن الدول الثلاث مُتحدة في معارضتها للمواجهة بين تكتلات الدول وأساليب الضغط التي تمارسها الدول الغربية، إلا أنه يُجادل بأن نموذج «أمن التحالف» المُوجّه بالتفكير الثنائي «نحن ضدهم» لا يتماشى مع «مبادرة الأمن العالمي» التي تُنادي بها الصين. وهي إحدى المبادرات الثلاث التي طرحها «تشي جي بينغ» في السياسة الخارجية، والتي تدعو إلى الأمن المشترك والشامل والتعاوني ([20])
ثالثاً: عقبات تشكيل المحور بين الثلاثي.
على الرغم من توجه الدول الثلاث المناوئ للغرب، إلا أن ثمة أربعة عوامل تُشكّل عقبات أمام تشكيل محور متكامل بينهم.
تُشكّل التجربة السلبية للحرب الكورية عقبات كبيرة، لا سيما بالنسبة للصين، ولكوريا الشمالية أيضًا.
ستواجه الصين، وبدرجة أقل روسيا، تكاليف تتعلق بسمعتهما إذا التزمتا بمثل هذا المحور.
إذا اختارتا محورًا مع كوريا الشمالية، فستضحيان بمصالحهما السياسية الخارجية المهمة في شرق آسيا
فشل الصين وروسيا وكوريا الشمالية حتى الآن في تحقيق تعاون اقتصادي ثلاثي ذي مغزى على طول حدودهما المشتركة.