الدروز الهوية والتاريخ والتموضع السياسي
بواسطة :
أولا: الجذور التاريخية والنشأة العقائدية:
الجذور التاريخية: تمثل الطائفة الدرزية إحدى الفرق الشيعة الباطنية، التي ظهرت في سياق التفكك الذي تعرض له المذهب الإسماعيلي، في عهد الدولة الفاطمية بمصر (909 – 1171م) وارتبطت نشأة عقيدتها بشخصية «الحاكم بأمر الله الفاطمي» (996–1021م) الذي مثّل ظهوره لحظة محورية في تشكل بنية هذه العقيدة، فقد نظر بعض أتباع هذا المذهب إلى هذا الظهور على أنه مظهر من مظاهر ألوهية الحاكم بأمر الله، وهو الأمر الذي شكل خروجا عن المعتقدات الإسماعيلية الأصلية وافتراقا باتا معها، أفضى بدوره إلى تكوين طائفة منبثقة عنها، هي الدرزية. ([1])
وهكذا، ولدت الدعوة الدرزية في القاهرة، ثم انتقلت إلى بلاد الشام، وتحديدًا إلى جبل لبنان وجبل العرب (جبل الدروز حاليًا) حيث وجدت في الطبيعة الجبلية حاضنة تضمن لها الحماية والبقاء. وقد ساهم هذا التمركز الجغرافي في بلورة المواقف السياسية للطائفة الدرزية، وفي جعلها متحوطة وذات طابع دفاعي أميل إلى الانغلاق؛ حال تعرضها للتهديد أو الانفتاح المشروط حال تمتعها بالاستقرار ([2]).
الأصول العقائدية: من المعروف أن العقيدة الدرزية صيغت على يد عدد من الرموز البارزة، في مقدمتهم «حمزة بن علي بن أحمد» الذي يُعد المؤسس الفكري للطائفة، فهو من وضع أصولها، وأسس التقسيم الطبقي للمجتمع الدرزي. إضافة إلى رسائله العقائدية التي تُعرف اليوم بــ «رسائل الحكمة» ([3]) كما ساهم الداعي الفارسي «نشتكين الدرزي» الذي تُنسب الطائفة لاسمه، في نشر الدعوة إليها، وإن كان قد اختلف في بعض المواقف مع «حمزة بن علي» على نحو أدى إلى اندلاع توتر بين أتباعها أحيانا.
وتتميز العقيدة الدرزية بطابع باطني صرف، قائم على «التقية» وإخفاء النصوص المقدسة عن غير «العُقَّال» وهم النخبة المتدينة التي يُسمح لها بالاطلاع على جوهر العقيدة. أما عموم الطائفة، فيُعرفون بــ «الجُهّال» وهم المكلفون بالالتزام الأخلاقي والديني دون الغوص في جوهر المضامين العقدية. وقد أسهمت هذه البنية العقائدية في إحكام الانغلاق المعرفي، والمحافظة على التماسك الداخلي للطائفة، عبر قرون من الاضطهاد والتقلبات السياسية ([4]).
وقد أنتجت النشأة الباطنية المغلقة المقرونة بظروف اضطهاد تاريخية، هوية دينية-سياسية مزدوجة للطائفة الدرزية، تتسم بالحذر والبراغماتية. وهو ما سيتكرس لاحقًا في سلوكها السياسي تجاه الدولة، كما في مواقفها المتقلبة من النزاعات الإقليمية.
ثانيا: البنية الدينية والقيادة الروحية:
تستند البنية العقائدية للطائفة الدرزية إلى تنظيم داخلي محكم يقوم على التدرّج المعرفي والوظيفي، يهدف إلى حماية العقيدة وصونها من التسرّب والانكشاف أمام غير الملتزمين أو الخارجين عن الطائفة. وقد تبلورت هذه البنية في إطار ثلاث مراتب رئيسية تُشكّل الهيكل الروحي والاجتماعي للطائفة: العقال، والأعيان، والمستورون، وهي مراتب لا تُشير فقط إلى مستويات من الالتزام الديني، بل تعكس في جوهرها طبيعة التوازن بين السرية والانفتاح الذي يُميز العقيدة الدرزية ([5]).
العقل (العُقّال): يمثّلون النخبة الدينية داخل الطائفة، الذين اجتازوا مراحل من التهذيب الروحي والمعرفي، وخضعوا لتعاليم داخلية صارمة، تُخولهم الاطلاع على النصوص السرّية المقدسة، وبخاصة “رسائل الحكمة” التي تُعد المرجع العقائدي الأعلى في المذهب. ويضطلع العقال بدور المحرّك الديني والاجتماعي في الجماعة، إذ يُشرفون على التعليم الديني، وقيادة الطقوس، وإصدار الفتاوى والوصايا الدنيوية. ويمتاز هؤلاء بزيّ ديني محدد، وسلوكيات أخلاقية صارمة تُميزهم عن غيرهم من أبناء الطائفة ([6]).
تُعد البنية العائلية إحدى الركائز المحورية في التشكيل الاجتماعي للطائفة الدرزية، إذ تضفي على الانتماء الطائفي طابعًا محليًا ومناطقياً متمايزًا. وقد أفرزت هذه البنية عددًا من العائلات الكبرى التي اضطلعت بأدوار دينية واجتماعية وسياسية بارزة في إدارة شؤون المجتمع الدرزي، وشكّلت في حالات كثيرة أساسًا للزعامة المحلية أو الدينية، مع تباين نسبي في مدى نفوذها، من دولة إلى أخرى.
إذ تبرز في سوريا عائلة «الأطرش» بوصفها من أعرق البيوتات الدرزية التي ارتبط اسمها بالكفاح الوطني أثناء الثورة السورية الكبرى (1925–1927) بقيادة «سلطان باشا الأطرش» كذلك تحظى عائلات مثل «آل الجرماني» و«آل عز الدين» و«آل أبو فخر» بنفوذ محلي في مناطق متعددة من جبل العرب، خصوصًا في السويداء وريفها. وتُعد هذه العائلات امتدادًا لزعامات محلية ظلت محافظة على أدوارها التقليدية رغم التحولات السياسية الحديثة ([7]).
كذلك تتمركز العائلات الدرزية بفلسطين، في الجليل والكرمل، وبرزت منها عائلات مثل «آل معدّي» في يركا، و«آل عزام» في دالية الكرمل، و«آل شنان» و«آل قبلان» و«آل سرحان» وجميعها لعبت أدوارًا في تثبيت البنية الدينية والاجتماعية للمجتمع الدرزي الفلسطيني، لاسيما في سياق العلاقة المركّبة والمعقدة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي ([8]).
أما في الأردن، فتتركّز غالبية العائلات الدرزية في منطقة الأزرق، والتي هاجرت إليها قادمة من جبل الدروز، ولا سيما من بيت «الحدّاد» وبيت «صعب» وبيت «أبو شاهين» كما تحتفظ عائلة «أبو لطيف» بتاريخ اجتماعي مرتبط بأدوار الوساطة والزعامة داخل المجتمع المحلي، رغم محدودية العدد السكاني للطائفة في المملكة الهاشمية ([9]).
وفي إسرائيل، تكتسب العائلات الدرزية طابعًا سياسيًا واضحًا، خاصة في ظل الخدمة العسكرية الإلزامية المفروضة على الدروز هناك، ما خلق زعامات محلية مدعومة من الدولة. وتبرز عائلات مثل «آل فرّاج» و«آل حلبي» و«آل نصر الدين» الذين تقلّد بعض أبنائهم مناصب رسمية في الكنيست والحكومة، كما هو الحال مع «صالح طريف» و«أيوب قرا» ([10]).
وهكذا، ينتمي «العقاّل» إلى مختلف هذه العائلات الكبرى، ويؤدون دورًا في الإرشاد الروحي وحفظ العقيدة، ويشكّلون النواة الصلبة لشبكة اجتماعية-دينية ممتدة جغرافيًا، لكنها موحّدة رمزيًا عبر “مجلس مشايخ العقل” في كل بلد. ومع أن البنية الدينية غير مركزية، فإن التنسيق المعنوي بين هذه المرجعيات ظل قائمًا، لا سيما في المحطات المصيرية التي مست الكيان الطائفي ككل.
ولا يعكس هذا التوزيع الديموغرافي فقط البنية الاجتماعية للطائفة، بل يبرز أيضًا الفوارق بين أنماط الزعامة، إذ تتكئ بعض العائلات على الشرعية التاريخية، بينما تستمد أخرى نفوذها من التماهي مع السلطات القائمة، أو من دورها في المحافظة على النسيج المحلي والتماسك الاجتماعي.
الأعيان: لا يخضع مصطلح “الأعيان” إلى تصنبف عقائدي بقدر ما يعبّر عن قيادات اجتماعية وسياسية محلية من داخل الطائفة، غالبًا ما تجمع بين المكانة الاجتماعية والتأثير الديني أو السياسي. وقد لعب الأعيان أدوارًا محورية في إدارة شؤون المجتمعات الدرزية في الجبل، وفي التفاوض مع السلطات المركزية، بما جعلهم حلقة وصل بين «العقال» من جهة، والعامة من جهة أخرى. ([11]).
لعب أعيان العائلات الدرزية الكبرى دورًا بنيويًا في تشكيل القيادة الروحية والاجتماعية للطائفة، إذ مثّلوا امتدادًا للسلطة التقليدية التي تجمع بين الإرث العائلي والرمزية الدينية. فعلى الرغم من غياب الهرمية الكهنوتية بالمعنى المؤسسي، حافظ هؤلاء الأعيان على دور الوسيط بين «العقّال» وبين القاعدة الاجتماعية للطائفة، لا سيما في فترات التحوّلات السياسية والصراعات الإقليمية.
ففي فلسطين، برزت عائلات مثل «آل طريف» في منطقة الجليل الأعلى، خصوصًا في بلدة جولس، حيث يشكّل الشيخ موفق طريف مرجعية دينية للطائفة في إسرائيل منذ العام 1993. وتعود زعامة العائلة إلى الشيخ أمين طريف، الذي حظي باحترام واسع داخل الطائفة وخارجها، وكان يُنظر إليه بوصفه المرجع الأعلى لط Druze spiritual leadership in Israel خلال العقود الوسطى من القرن العشرين ([12]).
وفي هذا الإطار، شكلت عائلة الأطرش في محافظة السويداء السورية – المعروفة تاريخيًا بجبل العرب – واحدة من أعرق بيوتات الأعيان، التي ارتبط اسمها بالكفاح ضد الانتداب الفرنسي، لا سيما مع سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى عام 1925م، وقد استمرت هذه العائلة في أداء أدوار قيادية محلية، سواء عبر التمثيل السياسي، أو التواصل مع مشايخ العقل، رغم تراجع نفوذها السياسي المباشر في العقود الأخيرة ([13]).
أما في الأردن، فلا تشكّل الطائفة الدرزية كتلة عددية كبرى، لكنها تتمركز في مناطق جنوبية مثل الأزرق وعمّان، وتنحدر العديد من العائلات من أصول سورية أو لبنانية هاجرت خلال القرن العشرين، ومن أبرزها عائلة «أبو عز الدين» التي ارتبطت بالنشاط الاجتماعي والوطني، خصوصًا في المجال الثقافي والسياسي. وعلى الرغم من غياب مشيخة عقل رسمية في الأردن، إلا أن أعيان هذه العائلات لعبوا أدوار تمثيل غير رسمي ضمن النسيج الوطني ([14]).
وفي إسرائيل، فقد تطوّر تموضع الطائفة ضمن الدولة العبرية منذ 1948م، وظهرت قيادات دينية وأعيان ينتمون لعائلات ذات امتداد تاريخي في فلسطين، مثل أعيان عائلة «معدي» في يركا وعائلة «سرحان» في دالية الكرمل، وبرزت شخصيات شاركت في الحياة السياسية والعسكرية. غير أنّ المرجعية الدينية بقيت متمركزة في أعيان عائلة «طريف» التي حظيت باعتراف الدولة الإسرائيلية بصفتها الممثل الرسمي للطائفة ([15]).
الجهّال: هم عامة أبناء الطائفة الذين لم يتلقوا التعليم العقائدي الباطني، ويُطلق عليهم اصطلاحًا «الجهّال» ليس بمعنى الجهل المطلق، وإنما بمعنى المستورين عن الاطلاع على أسرار العقيدة. ويُكلَّفون بالالتزام بالسلوك الأخلاقي العام، واحترام العقّال، دون الخوض في تفاصيل النصوص الدينية أو الطقوس السرّية. ويُعدون العمود الفقري الاجتماعي للطائفة، وتحظى بالحماية الدينية عبر النظام القيمي الجماعي، ما يعكس ازدواجية الانغلاق والانضباط في آن واحد ([16]).
ولا يمثل هذا التقسيم الهرمي داخل العقيدة الدرزية (العُقّال والأعيان والجهال) مجرد تصنيف اجتماعي، بل هو تعبير عن فلسفة دينية تهدف إلى حفظ «الحكمة» من الاندثار أو الاستغلال، وضمان بقاء العقيدة في سياقات سياسية معقدة. وهو ما يفسّر استمرار بقاء الطائفة الدرزية لقرون في بيئات متغيرة، وقدرتها على التكيّف دون التفريط بجوهرها العقائدي.
ثالثًا: التوزيع الديموغرافي
تتوزع الطائفة الدرزية على نطاق جغرافي ضيّق نسبيًا، يتمركز في أربع دول رئيسية في المشرق العربي: لبنان، وسوريا، وفلسطين، والأردن، حيث شكّلت الجغرافيا الجبلية والحدودية بيئة مثالية لنمو هذا الكيان الطائفي ذو الطبيعة الانعزالية، ومكنته في ذات الوقت، من الحفاظ على تماسكه الداخلي وسط تقلبات السلطة والتغيرات الإقليمية. ويُقدَّر عدد أبناء الطائفة اليوم بنحو مليون نسمة تقريبًا، لكن تأثيرهم يتجاوز كثيرًا حجمهم الديموغرافي، بسبب طبيعة حضورهم السياسي والعسكري.
لبنان: الذي شهد تبلور دور الدروز السياسي الأكثر وضوحًا، لا سيما في جبل لبنان، الذي شكّل منذ القرن السابع عشر قاعدة ارتكاز تاريخية لهم، ومنطلقًا لحضورها العسكري والاجتماعي. وقد ارتبط هذا الدور بظهور الأسر الإقطاعية الدرزية الكبرى، وعلى رأسها «آل معن» و«آل جنبلاط» و«آل أرسلان» الذين لعبوا أدوارًا محورية في مرحلة المتصرفية وفي تأسيس الدولة اللبنانية لاحقًا ([17]).
وقد عزز الدروز موقعهم ضمن النظام الطائفي اللبناني، وفي مرحلة ما بعد الاستقلال، من خلال تولّيهم مناصب سياسية حساسة، أبرزها منصب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الذي أصبح رمزًا للحضور الدرزي بفضل كاريزما كمال جنبلاط، ثم ابنه وليد جنبلاط لاحقًا. وقد استطاع الدروز التموضع بدقة بين القوى الطائفية الكبرى، مع الحفاظ على هامش من الاستقلالية في القرار السياسي ([18]).
سوريا: يتمركز الدروز أساسًا في جبل العرب (جبل الدروز) في محافظة السويداء جنوب البلاد، ويشكّلون كتلة سكانية متماسكة ذات حضور قوي في النسيج الاجتماعي. وقد شهدت العلاقة بين الدروز والدولة السورية توترات متعددة، خصوصًا خلال حكم حزب البعث، حيث واجهت الطائفة محاولات مستمرة للضبط السياسي، عبر احتواء الزعامات المحلية وتفكيك البنية التقليدية للقيادة الاجتماعية ([19]).
ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011م، وجدت الطائفة نفسها في موقع ملتبس؛ إذ سعت لأن تنأى بنفسها عن عمليات الاستقطاب الحاد بين النظام والمعارضة، وفضّلت الحياد الوقائي في البداية، ثم اضطرّت لاحقًا إلى الدفاع الذاتي في وجه تنظيمات متطرفة، الأمر الذي أعاد تفعيل بُعدها العسكري التقليدي، ولكن ضمن أطر محلية وغير مركزية ([20]).
فلسطين وإسرائيل: تشكّل الأقلية الدرزية في إسرائيل واحدة من أكثر الحالات إثارة للجدل في مسألة الهوية والولاء؛ فمنذ إعلان قيام الدولة العبرية عام 1948م، تبنّت إسرائيل سياسة دمج منهجية للدروز في مؤسساتها الأمنية والعسكرية، ومنحتهم امتيازات مدنية مقارنةً بالعرب الفلسطينيين الآخرين، ما أدى إلى انخراطهم الواسع في الجيش الإسرائيلي، وخلق فجوة في الهوية بينهم وبين محيطهم العربي الفلسطيني ([21]).
وعلى الرغم من هذا الانخراط، إلا أنه لا يزال جزء من الدروز، خصوصًا في الجولان المحتل، يرفض الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية، ويعبّر عن ارتباطه بسوريا الأم، ما يبرز الانقسام الهوياتي داخل الجماعة الواحدة تبعًا للجغرافيا السياسية، وهو ما يعكس هشاشة مفاهيم الولاء لدى الأقليات في دول غير مستقرة في بنيتها الوطنية ([22]).
الأردن: يُعد التواجد الدرزي في الأردن هامشيًا من حيث العدد، ويتركّز أساسًا في منطقة الأزرق شرقي البلاد، حيث هاجرت مجموعات درزية من سوريا ولبنان خلال القرن العشرين. وحرصت على الحفاظ على هويتها الثقافية والدينية ضمن إطار الولاء للدولة الأردنية، دون انخراط سياسي واسع، مما جعل حضورهم أقرب إلى الحالة الثقافية المغلقة منها إلى الفاعلية السياسية المباشرة ([23]).
رابعا: العلاقة مع المجتمع والسلطة:
يتّسم سلوك الطائفة الدرزية في علاقتها مع محيطها الاجتماعي والسلطات المركزية بقدر عالٍ من البراغماتية الحذرة، إذ غالبًا ما تسلك الطائفة نهج الانخراط المحدود الذي يوازن بين الحفاظ على الخصوصية، والانفتاح الانتقائي في ظل ظروف تتطلب ذلك. وتُظهر دراسات سوسيولوجية متعددة أن الدروز نجحوا في التكيّف مع أنظمة سياسية متناقضة (ليبرالية في لبنان، ومركزية في سوريا، واستعمارية في إسرائيل) دون التفريط بهويتهم الجمعية، أو التورط في صدامات وجودية ([24]).
الهوية السياسية والاجتماعية: يشكّل الدروز في المشرق العربي حالة استثنائية فيما يتعلق بمفهوم الهوية السياسية والاجتماعية، إذ نجحت هذه الجماعة الدينية الصغيرة في بلورة توازن دقيق بين خصوصيتها العقائدية المغلقة وبين انخراطها البراغماتي في المجال العام، لا سيما في الدول التي تشكّل موطنًا رئيسًا لتواجدها. ويكمن جوهر هذه الهوية في مفارقة مزدوجة: الانكفاء العقيدي مقابل التفاعل السياسي، والولاء الوطني المشروط بالاستقرار مقابل الانتماء الطائفي القائم على البقاء.
وتعد السرية إحدى السمات الجوهرية للعقيدة الدرزية، حيث يقوم النظام العقائدي للطائفة على ما يُعرف بمبدأ “كتمان السر” أو “حفظ الحكمة”، وهو ما فرض على أتباع الطائفة نمطًا خاصًا من التديّن قائمًا على الثنائية بين “العقال” و”الجهال”، كما سبق بيانه. غير أن هذه السرية العقائدية لم تكن عائقًا أمام انخراط الدروز في الحياة العامة، بل شكّلت عاملًا مساعدًا على إعادة تشكيل دورهم السياسي والاجتماعي وفق مقتضيات المرحلة، دون تعارض ظاهري بين المعتقد والواقع ([25]).
وقد تجلّى هذا التوازن بوضوح في لبنان، حيث ساهم الدروز في بناء الدولة الحديثة، وشاركوا بفاعلية في الحياة النيابية والحزبية، وفي الوقت ذاته حافظوا على بنيتهم الاجتماعية المغلقة، وقيمهم الأخلاقية المستمدة من العقيدة. ويلاحظ أن الدروز، مقارنةً بغيرهم من الجماعات الطائفية، كانوا أقل ميلًا إلى التبشير العقائدي أو الصراع اللاهوتي، وأكثر اهتمامًا بالتموضع السياسي وحماية الكيان الطائفي من التفكك أو الذوبان ([26]).
في سوريا، اتخذ هذا التوازن طابعًا دفاعيًا، إذ حافظت الطائفة على حيادها النسبي تجاه مراكز القرار في الدولة البعثية، من دون التصادم معها، بينما سعت في الوقت نفسه إلى المحافظة على بنية اجتماعية داخلية متماسكة. أما في إسرائيل، فقد كان الانخراط في مؤسسات الدولة، لا سيما الجيش، مقترنًا بقدر عالٍ من الانفصام بين الدور الرسمي والهوية التاريخية، ما جعل بعض المفكرين الدروز يعتبرون هذه الحالة نموذجًا للاندماج القسري الموجّه سياسيًا ([27]).
الولاء الوطني مقابل الانتماء الطائفي: تُعبّر العلاقة بين الولاء الوطني والانتماء الطائفي لدى الدروز عن معادلة شديدة التعقيد، تدار غالبًا وفق منطق التوازنات لا وفق ثنائية الولاء/الخيانة. فعلى الرغم من التزام الدروز، في الظاهر، بالانتماء إلى الدول التي يعيشون فيها، إلا أن قرارهم السياسي والاجتماعي غالبًا ما يُصاغ داخل الهياكل الطائفية الخاصة، ويتأثر بضرورات البقاء أكثر من الخطابات القومية أو الأيديولوجية.