التبادل التجاري بين الدول الافريقية باستعمال العملات الوطنية
بواسطة :
تهدف هذه الورقة الى تسليط الضوء على قضية بالغة الاهمية تتمثل في كيفية تسهيل التبادل التجاري بين الدول الافريقية، دون المرور عبر الدولار واليورو؛ بعد أصبحت عملات كابحة للتنمية ومعرقلة للتبادل التجاري. بحيث يمكن للدول باستخدام العملات الوطنية التخفف من حدة القلق بشأن استخدام الدولار واليورو في التجارة؛ مما يساعدها على استيراد المواد الخام والطاقة بأسعار معقولة لأنشطتها التصنيعية، خاصة أن زيادة استخدام الولايات المتحدة فرضَ العقوبات الاقتصادية، جعل العديد من الدول أكثر تحفزاً لاستكشاف التجارة باستخدام العملات الوطنية، واستخدام أنظمة الدفع الدولية بخلاف النظام الدولي «سويفت» ([1]) (SWIFT) المرتبطة بالدولار والاور.
الكلمات المفتاحية: التبادل التجاري -العملات الوطنية – النظام الدولي سويفت – الدولار- اليورو
.
.
متابعة القراءة
شهدت السنوات الأخيرة مطالب متزايدة باستخدام العملات الوطنية في المبادلات التجارية بين الدول، وهي المطالب التي ارتبطت بالسياق الراهن للاقتصاد العالمي؛ إذ تشير تقديرات التجارة العالمية إلى هيمنة الدولار والاورو بنحو واسع على حركة هذه التجارة؛ حيث يتم استخدامه فيما لا يقل عن أربعة أضعاف التجارة الخارجية العالمية. وبالنسبة إلى معظم الدول النامية، فإن الدولار يهيمن على نحو 90% من إجمالي تجارتها مع العالم الخارجي، ولكن عقب الانهيار المالي عام 2008م، كافحت العديد من الدول للوصول إلى الدولار الأمريكي لإنقاذ عملتها الوطنية؛ إذ شدد بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قبضته على العملة الاحتياطية العالمية، ومن ثم أفضى نقص السيولة الناتج عن ذلك إلى صعوبة الوصول إلى العديد من العملات؛ مما أدى إلى انخفاض قيمتها مقابل الدولار. وبحثاً عن حلول، اقترحت العديد من الدول إزالة الدولار عن التجارة، وإجراء تجارة ثنائية بالعملات الوطنية.
الإشكالية: تطرح إشكالية مفادها: لماذا تلجا الدول الى استخدام العملات الوطنية في التجارة الدولية؟
الأهمية: يستدعي كثير من الدول التفكير من ايجاد بدائل لتسهيل التجارة فيما بينها؛ نظرا لصعوبة الحصول على العملات الصعبة وخاصة الدولار والاور.
الأهداف: تهدف هذه الدراسة إلى تقديم إطار جديد يسهل التبادل التجاري بين الدول الافريقية باستعمال العملات الوطنية، واستنادا على القوة الشرائية للعملات الوطنية، بدون المرور عبر الدولار والاور والعملات الكابحة للتنمية والمعرقلة للتبادل التجاري البيني.
المنهجية: نظرا لطبيعة الدراسة وأهدافها تم الاعتماد على المنهج الوصفي في استعراض الإطار النظري للتبادل التجاري الحالي وتحليل بعض الاحصائيات والمؤشرات الاقتصادية للتجارة العالمية.
المحاور: للإجابة على إشكالية الدراسة وتحقيق أهدافها تم تقسيمها الى محورين رئيسين: الأول: استعراض تجارب الدول في استعمال العملات الوطنية. الثاني: دوافع التبادل التجاري بالعملات الوطنية. وذلك على النحو التالي:
المحور الأول: تجارب الدول في استعمال العملات الوطنية:
سوف نستعرض تجربة الصين وروسيا وتجربة الهند الفريدة وتجربة تركيا وإيران وايضا تحذيرات صندوق النقد الدولي.
1 – تجربة الصين وروسيا:
تقود الصين وروسيا جهوداً مكثفة؛ لإجراء تجارة بالعملات الوطنية، خاصةً بعد سقوط روسيا تحت وطأة العقوبات الغربية، عام 2014م، ولتمكين مثل هذه العملية، أنشأت الدولتان آليتَي دفع خاصتَين بهما بدلاً من نظام «سويفت» العالمي، هما «نظام تحويل الرسائل المالية» (SPFS) و«نظام الدفع عبر الحدود بين البنوك» (CIPS) لإجراء عمليات ثنائية ومتعددة الأطراف. كما انضمت الهند إلى هذه الجهود أيضا أضمت إيران وآسيا الوسطى وجنوب القوقاز.
واتساقاً مع هذا المنحى، ناقشت منظمة شنجهاي للتعاون (SCO) التي تمثل دولها نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، في مارس 2022م، مسودة خارطة الطريق للدول الأعضاء في المنظمة لزيادة حصة العملات الوطنية في التسويات المتبادلة. ومن المتوقع أن تتسارع الجهود للتغلب على العقوبات الغربية على روسيا، العضو الرئيسي في المنظمة. وهذا شكل يوضح كيفية التبادل التجاري بين اربعة دول بدون المرور عبر الدولار والارور.
2 –تجربة الهند الفريدة:
من المتوقع أن يعزز القرار الجديد للهند بشأن التجارة بالعملة المحلية، التجارة عبر ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب (INSTC) حيث إن تدويل الروبية يمكن أن يؤدي إلى هيكل مالي متعدد الأقطاب، تم تصوره من قبل مجموعة «البريكس» إذ تتمتع دول آسيا الوسطى وجنوب القوقاز بصلات قوية بالأنظمة الروسية، ومن ثم يسمح استخدام الروبية في المبادلات التجارية مع هذه الدول بخدمة المصالح الاقتصادية الهندية. ويمكن أن تؤدي هذه المعطيات إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب، وبالتبعية يؤدي إلى احتمالية إيجاد أنظمة أكثر تعقيداً من الترابط الاقتصادي بين الدول الكبرى، وإلى انخفاض في الصراع بين الدول بسبب هذا، وإلى توازن في القوى بينها أكثر تكافؤاً.
3 –تجربة تركيا:
في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سعت تركيا إلى توسيع روابطها التجارية بالعملات الوطنية في المنطقة وخارجها كما وقَّعت، في يناير 2022م، صفقة تبادل عملات بنحو 5 مليارات دولار مع دولة الإمارات لمدة ثلاث سنوات، ثم وقَّعت اتفاقية مماثلة مع قطر، في مايو 2022م، بقيمة 15 مليار دولار. وعلى الصعيد العالمي، وقَّعت تركيا اتفاقيات مقايضة للتجارة بالعملات الوطنية مع روسيا والصين وكوريا الجنوبية وبعض الدول الإسلامية. ومن المتوقع أن تُعمِّق القوى الإقليمية تسوية التجارة البينية والمعاملات المالية بعملاتها الوطنية بقدر أكبر.
4 – تجربة إيران:
أجرت إيران تجارة بالعملات الوطنية مع لبنان وسوريا والعراق، وتسعى إلى مزيد من التجارة مع تركيا التي كانت مترددةً في تنمية تجارتها بالعملات الوطنية؛ بسبب العقوبات المفروضة على إيران. وتأتي إيران مدفوعةً برغبتها في التغلب على العقوبات الغربية وتوسيع تجارتها بالعملات الوطنية التي تتم مع روسيا والهند والصين. وفي هذا الإطار، ركزت إيران على التعاون مع الهند في التجارة بالعملة المحلية؛ فتم استخدام تجارة الروبية لتصدير الغاز والنفط؛ وإذا أطلق كلا البلدين آلية تجارة الروبية بالريال الإيراني، فيمكن أن تنمو التجارة الثنائية إلى 30 مليار دولار. كما أن آلية تجارة الروبية الريال يمكن أن تساعد الشركات من كلا البلدين على أن يتعامل بعضها بعض على نحو مباشر، ومن ثم تجنب تكاليف الوساطة من طرف ثالث. وقد تجلى هذا التوجه في العلاقات الإيرانية الروسية؛ حيث اتفقت طهران وموسكو على إزالة الحواجز التجارية لزيادة التجارة إلى ما يعادل 10 مليارات دولار سنوياً؛ وذلك من خلال اتخاذ خطوات لكسر هيمنة الدولار على العلاقات النقدية والمصرفية والتجارة بالعملة الوطنية، كما وقَّعت الدولتان مذكرة تفاهم، في يوليو 2022م، لاستخدام عملتَيهما الوطنيتَين في المعاملات التجارية الصغيرة.
5 – تحذيرات صندوق النقد الدولي
حذر مسؤول كبير بصندوق النقد الدولي من أن العقوبات غير المسبوقة المفروضة على روسيا، بعد تدخلها العسكري في أوكرانيا، تهدد بإضعاف هيمنة الدولار الأمريكي تدريجياً، وتؤدي إلى نظام نقدي دولي أكثر تشتتاً؛ حيث إن الإجراءات الشاملة التي فرضتها الدول الغربية عقب التدخل العسكري المذكور، بما في ذلك القيود على بنكها المركزي، قد تشجع على ظهور تكتلات عملات صغيرة على أساس التجارة بين مجموعات منفصلة من البلدان. وقد اتفق العديد من الخبراء الدوليين مع صندوق النقد الدولي، ويجادلون أيضاً، بأن التطرف الذي ذهبت إليه واشنطن في محاولة لمعاقبة روسيا، جعل الدول الأخرى تدرك أهمية عدم الاعتماد على الدولار الأمريكي، أو على أي نظام مالي مدعوم من الولايات المتحدة.
المحور الثاني: دوافع التبادل التجاري بالعملات الوطنية
سوف نستعرض صعوبة الحصول على الدولار وعجز ميزان المدفوعات والعملات البديلة ومنصة أفريكسم بنك ([1]) (Afreximbank) والمعروفة باسم (PAPSS) ([2]) ونظام المقايضة الحالي
صعوبة الحصول على الدولار والاور:
يدفع ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي والاورو الأوربي قيمة السلع والخدمات بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى، وهو ما يدفع الدول نحو البحث عن بديل؛ فمؤخراً ارتفع مؤشر الدولار أمام سلة العملات الرئيسية، لأعلى مستوى في أكثر من 20 عاماً، وأيضا الاورو الأوربي بجواره حيث قيمة كل منهما كبير جدا من حيث سعر الصرف وفوق القدرة الشرائية لمعظم الدول النامية وهو ما يزيد الضغوط على هذه الدول التي تعاني من تراجع اقتصاداتها؛ نتيجة تداعيات جائحة كورونا واندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية، ومخاوف ارتفاع معدلات التضخم. كما أن انهيار العملات يعد حدثاً سلبياً؛ لأنه يجعل الواردات أكثر كلفةً، بجانب التسبب في تدهور مستوى معيشة الأفراد، وزيادة كلفة التجارة. كما أن الارتباط الكبير لحركة التجارة العالمية بالدولار، يؤدي إلى تقويض بعض الامتيازات والفوائد التي يمكن أن تجنيها اقتصاديات الدول من المرونة في ضبط أسعار العملة. وعندما ترتفع قيمة الدولار، تتجه التجارة العالمية نحو الانكماش.
العجز في ميزان المدفوعات:
تعاني مختلف دول العالم الثالث من عجز متتالي لميزان مدفوعاتها، خاصة أن الدولار الأمريكي يصبح عملة غير آمنة في ضوء سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، مما يستوجب استخدام العملات الوطنية في التجارة، سيسهم في نمو القدرة على التنبؤ في الاقتصاد العالمي، ومعالجة عجز ميزان مدفوعات للدول. الجدير بالذكر أن هناك بيانات صادرة عن صندوق النقد الدولي، تفيد بأن حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية للبنوك المركزية في الفترة الزمنية من الربع الرابع من 2020م، إلى الربع الثاني من 2021م، هي الأدنى في خمس سنوات عند 59%. وبدأ استخدام العملات الوطنية بين الدول يأخذ زخماً في التبادلات التجارية؛ لتقليل الاعتماد على الدولار، في الوقت الذي يزداد فيه قوةً وارتفاعاً، وهو ما يزيد الضغوط على البنوك المركزية في الدول الناشئة.
العملات البديلة:
تحظى العملات البديلة بثقة دولية متزايدة، ويجري تداولها في التجارة الدولية ودعم الاحتياطيات الأجنبية. وتأتي في قائمة أهم تلك العملات: الين الياباني والجنيه الإسترليني واليوان الصيني. الذي قفزت حصته في الاحتياطيات الرسمية من النقد الأجنبي إلى 2.8% في الربع الأخير من عام 2021م، وهو مستوى قياسي مرتفع منذ الربع المناظر من 2016م، ناهيك عن أنه يحتل المرتبة الخامسة على مستوى العالم، بحسب بيانات صادرة عن صندوق النقد الدول. خاصةً أن العقوبات المالية غير المسبوقة المفروضة على روسيا تهدد بتخفيف هيمنة الدولار الأمريكي تدريجياً. كما وقَّعت الصين اتفاقات لتبادل العملات المحلية مع كثير من دول العالم، منها بعض دول في الشرق الأوسط مثل تركيا.
منصة أفريكسم بنك والمعروفة باسم (PAPSS).
في يناير 2022م، أطلق البنك الأفريقي للاستيراد والتصدير منصة «أفريكسم بنك» للدفع والتسوية، المعروفة باسم (PAPSS) بالعاصمة الغانية «أكرا «بهدف إنجاح التعاملات التجارية، بقيادة البنك المركزي المصري وبمشاركة عدد من البنوك التجارية المصرية والافريقية، وتعزيز فرص الشركات والجهاز المصرفي في زيادة التبادل التجاري والاستثمار مع الدول الإفريقية بالعملات المحلية، والتغلب على أكبر عقبة وهي ضغوط وفرة النقد الأجنبي
ويقوم بنك «أفريكسم بنك» يبذل جهود مكثفة في تنفيذ التعاملات التجارية عبر منصة التسويات والمقاصة (PAPSS) التي تضخ استثمارات كبيرة في بنيتها التكنولوجية؛ بهدف إنجاح التعاملات التجارية في أقصر وقت، وبدرجة أمان عالية. فقد قام بتفعيل عمل منصة (PAPSS) مع دول غرب إفريقيا، التي أثبتت نجاحها في إرسال واستقبال الحوالات عند تعاملات الشركاء التجاريين في الدول الإفريقية بعملة كل دولة.
وتوقع مسئولو «أفريكسم بنك» انضمام 15 إلى 20 دولة إلى نظام الدفع والتسوية الإفريقي بحلول نهاية العام، خاصة أن نظام (PAPSS) يستخدم أسعار صرف الدولار في الوقت الحالي، ومن المزمع أن يعمل مع البنوك المركزية لتطوير آلية سعر الصرف، من شأنها السماح للعملات الإفريقية البالغ عددها 42 عملة بأن تكون قابلة للتحويل فيما بينها.
وتتم الغالبية العظمى من التجارة البينية لإفريقيا عبر التحويلات إلى الدولار، وتسعى مبادرات مثل (PAPSS) واتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي من شأنها إنشاء أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث المساحة، إلى تعزيز التجارة الداخلية عن طريق تقليل الحواجز، بما في ذلك الحاجة إلى التعامل بالدولار.
على جانب آخر، يسعى «أفريكسم بنك» الى تغطية حوالي 25% من إجمالي المحفظة التمويلية للبنك، التي استهدفت دعم تمويل التجارة البينية مع الدول الإفريقية (التصدير والاستيراد) والاستثمارات المباشرة والقطاعات التنموية الأخرى. خاصة أن مصر مهتمة بالتعاون مع الدول الإفريقية، وما تبع ذلك من زيادة أعمال الشركات المصرية في الدول الأفريقية.
حيث نجح البنك على مدار السنوات الماضية في توفير معدلات سيولة من النقد الأجنبي لمصر عبر التعاون مع البنك المركزي والبنوك المصرية، وتمويل رجال الأعمال والشركات المصرية لتوسع أعمالهم في الدول الإفريقية.
وترجع هذه التمويلات الكبيرة المقدمة لمصر إلى كونها أكبر مساهم في رأس ماله، تليها نيجيريا من إجمالي 52 دولة إفريقية مساهمة في رأس مال البنك، بخلاف الأعضاء من القطاع الخاص والمؤسسات المالية المصرفية الإفريقية والدولية. وكما هو معروف أن «أفريكسم بنك» اتخذ مصر مقرا رئيسيا له، منذ عام 1993م، بهدف خلق الروابط بين الدول الإفريقية بعضها ببعض لتحقيق المصالح المشتركة والتبادل التجاري والاستثمارات المباشرة وكذلك تعزيز الروابط الإفريقية مع العالم الخارجي، وحل وأزمة تمويل التجارة مع باقي الدول الإفريقية وضمان الصادرات.
نظام المقايضة الحالي: