الحضور العسكري الصيني المتزايد في أفريقيا ومكافحة الإرهاب
الكاتب:
وبحلول عام 2011م، بدأت فرنسا في التدخل بجدية في مكافحة الإرهاب في مالي عبر عملية سيرفال (Serval) ضد مجموعة من الشركات التابعة لتنظيم القاعدة والانفصاليين وهي المهمة التي توسعت لتشهد إنشاء منظمة مكافحة الإرهاب الشاملة في منطقة الساحل، من الدول الخمس الكبرى في الساحل التي نفذت عملية «بركان» ولكنها فشلت في وقف موجة الإرهاب المتصاعدة بشكل كبير في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
وبحلول عام 2019م، دخلت روسيا أيضًا مجال مكافحة الإرهاب في محاولة لكسب النفوذ في القارة، ونشرت عناصر من مجموعة فاجنر (Wagner Group) التي تديرها لمواجهة التهديدات الإرهابية المرتبطة بتنظيم القاعدة، أو تنظيم الدولة الإسلامية في موزمبيق ومالي وبوركينا فاسو والنيجر، وكل هذه التدخلات كانت نتائجها متباينة للغاية.
ويمكن القول إن الدول التي تدخلت لمكافحة الإرهاب في أفريقيا لم تحقق أية نجاح، مما أدى إلى تشويه سمعتها بدلاً من تلميعها. والجدير بالذكر أنه بعد أكثر من عقد من المشاركة الجادة، بدأت فرنسا تتعرض للسخرية من قوات مكافحة الإرهاب التابعة لها واتهامها بدعم العناصر الإرهابية في البلدان التي كانت موجودة فيها – ولا سيما مالي والنيجر وبوركينا فاسو – من قبل الحكومات المضيفة ومن قوى المجتمع المدني على حد سواء. ونظرًا لمزيج من الإخفاقات الملحوظة لجهودها في مكافحة الإرهاب بالإضافة إلى معاملتها للشركاء المحليين، فقد ألغت فرنسا مؤخرًا بشكل مخزٍ اتفاقيات التعاون الأمني الخاصة بها من قبل دولة تلو الأخرى، بما في ذلك مالي والنيجر وبوركينا فاسو والسنغال وكوت ديفوار وتشاد ودول أخرى؛ مما أوصلها إلى أدنى درجة من نفوذها في أفريقيا منذ نصف قرن.
ولم يكن أداء الولايات المتحدة سيئًا مثل فرنسا ولا تزال عمومًا الشريك المفضل للجيوش الأفريقية، فقد شهدت بشكل ملحوظ إلغاء قواعدها الأساسية لمكافحة الإرهاب – قاعدتي 201 و202، والتي أنفقت عليها مئات الملايين من الدولارات على مدى عقد من الزمان – من قبل الحكومة النيجيرية في عام 2024م
حتى روسيا، التي كانت على مدى السنوات الماضية الشريك المفضل لمكافحة الإرهاب للعديد من الأنظمة الأفريقية الأكثر تضررًا من الإرهاب، شهدت انخفاضًا حادًا في أسهمها مؤخرًا، إلى جانب التقارير المستمرة عن انتهاكات حقوق الإنسان، التي ارتكبتها مجموعة فاجنر/ فيلق أفريقيا، وأعلنت مجموعة فاجنر مؤخرًا أنها ستغادر مالي؛ بعد ادعائها بشكل ملفق بإكمال المهمة. وفي خضم هذا التدافع من قبل القوى الكبرى من أجل النفوذ عبر مكافحة الإرهاب في أفريقيا، كانت هناك قوة عالمية ذات ثقل تعمل في هدوء هي الصين.
وكان عام 2024م، نقطة تحول؛ عندما تخلت الصين عن سعيها للبقاء شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا للدول الأفريقية وأوضحت أنها مستعدة، بدلاً من ذلك، للقفز بحماس أكبر إلى عالم الأمن في أفريقيا. وكان المثال الأبرز على ذلك قمة منتدى التعاون الصيني الأفريقي (FOCAC) في سبتمبر 2024م، فلم تتردد الصين في أن تصبح جهة أمنية رئيسية في القارة الأفريقية، مما أعطى ما أسماه البعض “تأكيدًا صينيًا غير مسبوق على دورها الأمني في القارة الإفريقية” فقد وعد الرئيس الصيني شي جين بينج في الخطاب الافتتاحي للقمة بمنح أفريقيا بحوالي 140 مليون دولار للمساعدة العسكرية؛ وتدريب 6000 عسكري و1000 من ضباط الشرطة وإنفاذ القانون؛ والمشاركة في التدريبات العسكرية والدوريات المشتركة؛ ودعوات لـ 500 ضابط عسكري أفريقي شاب لزيارة الصين.
وقد أدرك المراقبون الدور العسكري المتنامي للصين في أفريقيا، وركزوا على تزايد عسكرة سياسة الصين تجاه أفريقيا والدور المتنامي لشركات الأمن الصينية الخاصة في أفريقيا، وتزايد استخدامها للدبلوماسية العسكرية ومبيعات الأسلحة هناك، مع تأكيد أحد المحللين أن “أفريقيا تمثل أكبر انتشار عسكري مستمر للصين خارج حدودها. ومع ذلك، لم يحظَ بُعدٌ مكافحة الإرهاب في المساعي الصينية الأوسع نطاقًا إلا باهتمام ضئيل
وهنا تطرح التساؤلات نفسها: أين تنخرط الصين في مكافحة الإرهاب في أفريقيا، وبأي وسائل؟ ما التحديات التي ستواجهها حال انخراطها بقوة أكبر في مكافحة الإرهاب؟ ولماذا تعرب عن اهتمامها بالانخراط في مكافحة الإرهاب بأفريقيا في هذا التوقيت بالذات؟
ويجادل هذا المقال بأنه على الرغم من المبررات الظاهرية المتعلقة بالدفاع عن المصالح الاقتصادية والتضامن مع الدول الأفريقية، فإن دوافع بكين الأساسية لدخول مجال مكافحة الإرهاب تتمثل في تنويع وسائل نفوذها في أفريقيا؛ بما يتجاوز نهجها التاريخي “الاقتصاد أولاً”. وإدراكًا منها أن الانخراط في مكافحة الإرهاب هناك هو نشاط عالي المخاطر، ولكنه يحتمل أن يكون عالي المكافأة أيضا.
حيث تعتقد بكين أن لديها نوعًا جديدًا من المساعدة في مكافحة الإرهاب، أقل حركية وأكثر اقتصادية، عبر شراكات عادلة تمثل وسيلة جديدة وجذابة بشكل أساسي لكسب النفوذ في أفريقيا. ومع ذلك، فإنها تواجه تحديات في مساعيها لمكافحة الإرهاب في أفريقيا، بما في ذلك التوفيق بين نهجها الحذر على تحمّل الوضع المضطرب للإرهاب بأفريقيا؛ وكيفية التعامل مع مساحة أفريقية مشبعة بأنشطة مكافحة الإرهاب؛ وكيفية تجنّب الوقوع ضحيةً لنفس المزالق التي وقعت فيها قوى عالمية أخرى انخرطت في نفس التجربة بأفريقيا. ومع ذلك، إذا استطاعت الصين إثبات أن نهجها الحذر يختلف اختلافًا جوهريًا عن مقترحات القيمة الحالية لمكافحة الإرهاب من القوى الأخرى، فقد تنافست بكين واشنطن بشدة، وربما تحل محلها، كشريك مفضل للتعاون الأمني في أفريقيا.
وعلى كل، تنقسم هذه المقالة إلى أربعة أقسام. تستعرض تطور المفاهيم الصينية لمفهومي الإرهاب ومكافحة الإرهاب على الصعيدين المحلي والدولي. كما تصف أنواع الأنشطة التي تشارك فيها الصين حاليًا في مجال مكافحة الإرهاب. وتوضح المبررات التي دفعت الصين لاختيار هذا التوقيت للانخراط في مكافحة الإرهاب. إضافة إلى أنها تستعرض بعض التحديات التي قد تواجهها الصين إذا ما قررت أن تصبح لاعبًا أكثر فاعلية في مكافحة الإرهاب بأفريقيا وهذا ما نعرضه على النحو التالي.
أولا: المفهوم الصيني لمكافحة الإرهاب:
يُعد مفهوم الإرهاب في الصين ظاهرة جديدة نسبيًا، تمتد جذورها في المقام الأول إلى السياسة الداخلية للصين، ولكنها تطورت بمرور الوقت لتصبح مصدر قلق ومجالًا للانخراط السياسي على الصعيد الدولي. ففي الصين الإمبراطورية، لم يكن مفهوم الإرهاب موجودًا؛ بل كان يُنظر إلى العنف السياسي على أنه أفعال تهدد الإمبراطور وتؤدي إلى “الفوضى”.
ومع بدء الصين مرحلة التحرر في ثمانينيات القرن الماضي، أصبحت الجماعات المنشقة في البلاد أكثر ظهوراً، وشهدت الصين صعودًا للجماعات الانفصالية والمتشددة دينيًا. وفي ضوء تجربتها مع هذه الجماعات توصلت إلى تصور الإرهاب في سياق مكافحة الشرور الثلاثة: الانفصالية العرقية، والتطرف الديني، والإرهاب العنيف، والأمر المهم هو أن وجهة نظر الصين بشأن الإرهاب متجذرة في تجربتها المحلية، حيث لم يهدد الإرهابيون بالعنف التخريبي فحسب، بل عرضوا سلامة أراضي الدولة الصينية للخطر.
كما كان عام 2001م، بمثابة نقطة تحول أساسية في فهم الصين لتهديدات الإرهاب العابر للحدود. وعلى الرغم من أنها لم تكن شريكًا ثابتًا، أو مهمًا في الحرب العالمية للولايات المتحدة على الإرهاب، نظرًا لتجربتها مع حركة إقليم «تركستان الشرقية» إلا أن هجمات 11 سبتمبر دفعت الصين، إلى أخذ مثل هذه التهديدات على محمل الجد. وعلى الصعيد المحلي، زادت من استخدامها للغة المتعلقة بالإرهاب في الوثائق الوطنية، ومنذ بدء القرن الحالي، أخذت تطور أجندتها التشريعية لمكافحة الإرهاب،
فقد أقرت قانون مكافحة الإرهاب، عام 2015م، الذي وضع تعريفات للإرهاب، ووسع سلطة الدولة لمنع الإرهاب (بما في ذلك منح صلاحيات واسعة لجمع المعلومات الاستخباراتية والمراقبة والاحتجاز واستخدام القوات المسلحة) ووضع مطالب جديدة على الشركات والأفراد لمساعدة الحكومة في جهود مكافحة الإرهاب (بما في ذلك تقديم سجلات الاتصالات) وحدد الأسباب الجذرية للإرهاب، لتشمل الافتقار إلى التنمية الاقتصادية والرغبة في العدالة الاجتماعية، كما حدد الأبعاد الدولية لمكافحة الإرهاب في الصين. والسعي إلى تطوير التعاون في مجال مكافحة الإرهاب مع الدول والمنظمات الأخرى (المادة 68) وتبادلات المعلومات الاستخباراتية والإنفاذ التعاوني والمراقبة المالية (المادة 69) وتكليف أعضاء من جيش التحرير الشعبي وقوات الشرطة بمغادرة البلاد لتنفيذ مهام مكافحة الإرهاب (المادة 71) ومع هذا يتعرض هذا القانون لانتقادات واسعة؛ بسبب الصلاحيات الاستثنائية التي منحها للدولة، والانتهاكات المحتملة التي يمكن أن تولدها هذه الصلاحيات.
ربما لم تكن صلاحيات قانون مكافحة الإرهاب أكثر وضوحًا مما كانت عليه فيما يتعلق بقومية «الأويغور» (Uyghurs) في الصين. وقد دفع القلق المستمر للصين بشأن هذه القومية إلى اتخاذ استراتيجيات “وقائية لمكافحة الإرهاب” تضمنت تدابير مراقبة مشددة واعتقالات واسعة النطاق ووضع أفراد هذه القومية فيما يسمى معسكرات إعادة التأهيل التي تعرضت لانتقادات واسعة النطاق من قبل جماعات حقوق الإنسان.
ومع صعود تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014م، أصبح الأويغور بمثابة وجود لا يستهان به للمقاتلين الأجانب في العراق وسوريا. وقد خص زعيم تنظيم الدولة الإسلامية، أبو بكر البغدادي، الصين بالإشارة في أبريل 2014م، كدولة تقمع المسلمين. وأصبحت معاملة الصين للأويغور بمثابة شعار مزعج لنهجها تجاه مكافحة الإرهاب. وقد أشارت تقارير متعددة اعتبارًا من 2020 م، إلى أن ما بين مليون إلى ثلاثة ملايين شخص من قوميات الأويغور، والكازاخ والقرغيز، تم احتجازهم داخل حوالي 1200 معسكر “إعادة تأهيل” في الصين، كما تم وضع أعضاء الشتات الأويغوري تحت مراقبة مكثفة.
أما خارج نطاقها المحلي، فقد بدأت الصين، في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، بتقديم مساعدات لمكافحة الإرهاب للدول المجاورة؛ لحماية حدودها. وانطلاقًا من عملها الرئيسي تحت رعاية «منظمة شنغهاي للتعاون» (SCO) بدأت الصين تعاونًا ثنائيًا ومتعدد الأطراف في مجال مكافحة الإرهاب مع دول في محيطها القريب، بما في ذلك روسيا وباكستان، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان، وركز هذا التعاون على التدريبات المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
وفي عام 2021م، وفي ظل عودة ظهور حركة «طالبان» والمخاوف بشأن تأثيره على مشاريعها الاقتصادية، وقّعت الصين اتفاقية لإنشاء قاعدة عسكرية في طاجيكستان؛ لمكافحة الإرهاب[1]) حيث أجرت معها تدريبات على مكافحة الإرهاب في أعوام 2019،2021م، و2023م، كما اتفقت معها على استضافة تدريبات مشتركة لمكافحة الإرهاب كل عامين.
وقد تزايدت مخاوف الصين بشأن تأثير الإرهاب على مصالحها الاقتصادية بعد إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2013م، وضرورة حماية استثماراتها الخارجية. وبينما كانت شركات الأمن الصينية “الخاصة” (ممولة من الدولة ومرتبطة بشركات حكومية دولية) من أوائل عمليات الانتشار التي كانت تهدف إلى حماية استثمارات بكين، إلا أنها اعتُبرت عمومًا أكثر أمانًا من الشركات العسكرية الخاصة التقليدية. إذ لا يُسمح للمواطنين الصينيين، بموجب القانون، بحمل أسلحة في الخارج، ولا تمنح الحكومة الصينية سوى عدد محدود من الشركات صلاحية القيام بمثل هذه الأدوار الأمنية.
ومع توسع مشاريع مبادرة الحزام والطريق في القارة الأفريقية، وخاصة في الدول المتضررة من الإرهاب (مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد) أو الدول غير المستقرة (السودان وغينيا والجابون) تزايد قلق الصين بشأن التأثير الاقتصادي للإرهاب. وبحلول عام 2014م، بدأ المحللون الصينيون في الإشارة إلى قوس من عدم الاستقرار الناجم عن الإرهاب في أفريقيا، والذي يشمل مالي ونيجيريا وتونس وليبيا والصومال،
وذلك في وقت بدأ العمال الصينيون بأفريقيا يواجهون العنف من قبل جماعات مسلحة غير حكومية. ووفقًا للروايات، قُتل تسعة عمال مناجم ذهب صينيين في جمهورية أفريقيا الوسطى عام 2023م، على يد متمردين، بعد أيام من اختطاف ثلاثة عمال آخرين في جزء آخر من البلاد، وفي كل من جمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا، اختطف صينيون على يد أعضاء في منظمات متطرفة؛ وكان يسمون هؤلاء المختطفين باسم المعجنات الحلوة؛ نظرًا لمبلغ الفدية الكبير الذي يمكن أن يتوقعوا الحصول عليه.
وهكذا، بدأ انخراط الصين في جهود مكافحة الإرهاب؛ بدافع اقتصادي، ولسبب وجيه أيضا؛ إذ يُظهر أحد مراكز الأبحاث أنه في الفترة من 2014 إلى 2024م، تعرض الصينيون لنحو 150 حادثة عنف في جنوب الصحراء الكبرى، على الرغم من أن الأرقام المتعلقة بالحوادث المتعلقة بالإرهاب غير معروفة. وهذا منطقي، إذ إن العديد من الاستثمارات الصينية تحدث تحديدًا في المناطق المعرضة للصراعات. ولهذا أشارت الصين في كتابها الأبيض الدفاعي لعام 2019م، إلى أن مصالحها الخارجية معرضة للخطر بسبب التهديدات المباشرة مثل الاضطرابات الدولية والإقليمية والإرهاب والقرصنة” وأن إحدى مهام قواتها المسلحة هي حماية مصالح الصين الخارجية.
ومع ذلك، فإن أوضح تعريف للصين لفهمها الحالي للإرهاب ومكافحة الإرهاب قد تم التعبير عنه بشكل تدريجي من خلال «مبادرة الأمن العالم» (GSI)، والتي تهدف إلى أن تكون بمثابة جهد أمني دولي بديل لجهود النظام العالمي، الذي يقوده الغرب وحلف شمال الأطلسي. في حين أن الكشف الأولي عن هذه المبادرة، في عام 2022م تناول الإرهاب في سياق المناطق المجاورة للصين بجنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى، إلا أنه لم يذكر الكثير عن وجهة نظر GSI للإرهاب في مناطق العالم الأخرى، بما في ذلك إفريقيا. ومع ذلك، فقد أصدرت الصين في فبراير 2023م، ورقة مفهوم مبادرة الأمن العالمي، التي أوضحت الأولويات العالمية والإقليمية لـ(ـ(GSI مما أعطى دليلاً على أولويتها لمكافحة الإرهاب في إفريقيا. وتحقيقًا لهذه الغاية، كان التقرير جديرًا بالملاحظة من ناحيتين.
الأولى، أشار التقرير بشكل عام إلى الإرهاب العالمي، وأن المنطقة الوحيدة التي ذُكر فيها الإرهاب صراحةً كانت إفريقيا.
الثانية، أن التزام الصين بالمساعدة في جهود مكافحة الإرهاب في أفريقيا كان، بلا شك، المنطلق الرئيسي الذي عبّرت من خلاله عن قيمها تجاه القارة.
ويؤكد النص الكامل للقسم الخاص بأفريقيا من ورقة مفهوم مبادرة الأمن العالمي على مركزية دور الصين في الأمن الأفريقي عمومًا، ومكافحة الإرهاب تحديدًا، سواءً من خلال الإشارة إلى مكافحة الإرهاب أو التلميح إلى أكثر مناطق القارة تأثرًا بالإرهاب، حيث تتعهد الصين بما يلي:
دعم جهود الدول الأفريقية والاتحاد الأفريقي والمنظمات دون الإقليمية لحل النزاعات الإقليمية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأمن البحري، ودعوة المجتمع الدولي إلى تقديم الدعم المالي والفني لعمليات مكافحة الإرهاب التي تقودها أفريقيا، ودعم الدول الأفريقية في تعزيز قدرتها على صون السلام باستقلالية. ودعم معالجة المشكلات على الطريقة الأفريقية، وتعزيز التسوية السلمية للقضايا الساخنة في القرن الأفريقي، ومنطقة الساحل، ومنطقة البحيرات الكبرى، وغيرها من المناطق. والتنفيذ الفعال لآفاق السلام والتنمية في القرن الأفريقي، وتعزيز مأسسة مؤتمر الصين والقرن الأفريقي للسلام والحوكمة والتنمية، والعمل بنشاط على إطلاق مشاريع تعاون رائدة.
ويدل تركيز مفهوم مبادرة الأمن العالمي على مكافحة الإرهاب بقيادة أفريقية عبر مجموعة متنوعة من الأدوات، مثل حل النزاعات، والمؤتمرات، والمشاريع التجريبية التي تركز على الأمن، والتعاون العالمي، على الفرص المتاحة في الأدوات الصينية. وقد أعقب هذا التركيز خطابٌ ألقاه «ليو يوشي» الممثل الخاص للحكومة الصينية للشؤون الأفريقية في الأمم المتحدة، أمام الأمم المتحدة في مارس 2023م، والذي ركز على الحاجة إلى مزيد من العمل العالمي لمكافحة الإرهاب في أفريقيا. وقد مهدت هذه الإجراءات الطريق للدفعة الصينية الأخيرة لمكافحة الإرهاب، والتي كانت واضحةً على الأقل منذ سنوات عديدة.
ثانيا: وسائل المشاركة الصينية في مكافحة الإرهاب بأفريقيا:
بعد أن استعرضنا كيف تفكر الصين في الإرهاب ومكافحته على المستوى المحلي والدولي، وعلى نحو متزايد في أفريقيا، فإن التساؤل المطروح هو: كيف تشارك الصين في الأنشطة المتعلقة بمكافحة الإرهاب في أفريقيا؟
وقبل أن نشير إلى هذه الوسائل، يتعين القول إن السمة المميزة لمشاركة الصين في التعاون العسكري والأمني، والتعاون في مكافحة الإرهاب في أفريقيا هي الحذر والصداقة والاحترام وعدم التدخل والاحترام للشركاء الأفارقة. خاصة أن طموحات الصين العسكرية في أفريقيا تتسم بأن لديها إمكانات هائلة لقلب الوضع الراهن؛ لأنها تبدو غير مهددة على النقيض من مشاركات الآخرين، كما تتسم هذه المشاركة بأنها هادئة وغير عنيفة وتقنية ومحسوبة بدقة شديدة، مع التركيز على التدريب التقني وليس القتالي؛ والتدريب الشرطي وليس العسكري وعلى نطاق أوسع على الظواهر الاقتصادية وليس الأمنية. وبالتالي، كمبدأ تنظيمي، فإن كيفية تأطير الصين لمكافحة الإرهاب، وليس مجرد ما تفعله، هو أحد أهم أبعاد مشاركتها.
الدبلوماسية الثنائية والمتعددة الأطراف: كان الدفع الذي بذلته الصين نحو النفوذ في مكافحة الإرهاب واضحا. وظهر في مناقشات حول مكافحة الإرهاب بين كبار المسؤولين الصينيين والأفارقة في الجزائر، وبنين، وبوركينا فاسو، والكاميرون، وجيبوتي، ومصر، وغامبيا، والنيجر، وتونس، وتوغو. وأن الصين وقّعت اتفاقيات ثنائية لمكافحة الإرهاب مع دول أفريقية مختلفة، بما في ذلك نيجيريا ومصر،
وخارج إطار هذه الاتفاقيات الثنائية، سعت الصين إلى توضيح وسائل الأمم المتحدة في التصدي للإرهاب من خلال تمويلها لآليات مكافحة الإرهاب التابعة لها. وأكدت باستمرار على ضرورة تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب في أفريقيا داخل الأمم المتحدة، وقادت إنشاء صندوق الأمم المتحدة الائتماني للسلام والتنمية، الذي يمول جهود مكافحة الإرهاب ويدعو إلى زيادة الموارد وتمكين المنظمات الأفريقية، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي، والمجموعات الاقتصادية الإقليمية، بما فيها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا.
كما سعت إلى تعزيز نفوذها في مجال مكافحة الإرهاب متعدد الأطراف في منظماتٍ مثل مجموعة البريكس، ومنتدى التعاون الصيني الأفريقي، ومنتدى التعاون الصيني العربي، وفي إطار منظمة شنغهاي للتعاون التي تقودها، والتي تُركّز في جوهرها على التعاون الإقليمي في مجال مكافحة الإرهاب. كما قدّمت دعمها المعنوي لأبحاث مكافحة الإرهاب وبناء القدرات التي تقودها أفريقيا من خلال تقديم الدعم المستمر للمركز الأفريقي لدراسات وأبحاث الإرهاب، ومقره الجزائر. وتتميز مشاركة الصين في المحافل متعددة الأطراف بدمجُ عملها في مكافحة الإرهاب ضمن الثقافة العالمية المعيارية لمكافحة الإرهاب.
المشاركة في عمليات حفظ السلام الأممية: بصفتها لاعباً رئيسياً في تمويل بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والمشاركة فيها، والتي توجد غالبيتها في أفريقيا وتتضمن بعض أبعاد الوجود الإرهابي، اكتسبت الصين بهدوء خبرة من خلال عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (PKOs) بينما قامت أيضًا بتلميع صورتها كقوة عظمى صاعدة مسؤولة. حتى وصف بعض المحللين جهودها في حفظ السلام بأنها “المنصة الأكثر أهمية للمشاركة الأمنية الصينية في أفريقيا.
ومنذ عام 1990م، نشرت الصين أكثر من 30 ألف جندي حفظ سلام في بعثات مقرها أفريقيا، وهو ما يعادل حوالي 80% من إجمالي عمليات نشر حفظ السلام العالمية، والأمر الأكثر أهمية هو أن الصين كان لها في السابق وجود مهم إلى حد ما في عملية حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة التي تركز على الإرهاب في مالي (MINUSMA) والتي فسرها بعض المراقبين على أنها تُظهر استعداد الصين لمزيد من المشاركة في عمليات مكافحة الإرهاب. وتأكيداً على استمرار تصوير أفريقيا كأرض اختبار للصين، وصف أحد ضباط الجيش الصيني أفريقيا بأنها “مختبر تجارب، يمكنها للصين اكتساب الخبرة العسكرية دون التخلي عن مبدأ عدم التدخل، حيث تتم جميع الأنشطة العسكرية تحت راية الأمم المتحدة.
ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أن دور الصين في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يساعد في تعزيز وضعها الأمني العام في القارة، كما هو الحال مع الجهات الفاعلة الدولية الأخرى، ولهذا مُنعت الصين من دخول بؤر مكافحة الإرهاب الساخنة في إفريقيا، وخاصة مالي، للحد من نفوذها بشكل عام. ووفقًا لأحدث البيانات المتاحة، من بين 1776 جنديًا من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة التي نشرتها الصين، كان أغلبها جزءًا من بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان (1031 جندي) ولبنان (اليونيفيل) (475 جندي) ومنطقة «أبيي» المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان (270جندي) ولا يعد أي منها مصدرًا للصراع. ولديها 18 فردًا فقط وهم مزيج من الخبراء والشرطة وضباط الأركان في عمليتي حفظ السلام الإفريقيتين المتمركزتين حول الإرهاب في جمهورية إفريقيا الوسطى (MINUSCA) وجمهورية الكونغو الديمقراطية (MONUSCO) أي أنه في حين تستخدم الصين عمليات حفظ السلام للتعرف على البيئة الأمنية الأفريقية، فإن قدرتها على استخدام هذه العمليات لمعرفة ديناميكيات الإرهاب.
ونادرًا ما يُنظر إلى القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي لدورها المحتمل في مكافحة الإرهاب، إلا أنه لا ينبغي إغفالها. وهي أول قاعدة خارجية لها وافتتحتها عام 2017م، بوصفها مخصصة لأغراض اقتصادية فقط لدعم محفظة استثماراتها الدولية المتنامية، وأكدت، عام 2010م، أن فكرة أن الصينيين سيُنشئون قواعد خارجية لا أساس لها، وأنها تهدف إلى مساعدة الإمداد اللوجستي لسفن البحرية الصينية (PLAN) ومع ذلك، تحول دور هذه القاعدة ليشمل مهام مكافحة القرصنة، ومساعدة الجيش الصيني في عمليات حفظ السلام الأفريقية، والمهام الإنسانية. وسرعان ما تحولت من الإشارة إليها على أنها منشأة دعم إلى قاعدة دعم، وبين عامي 2017و2020م، ثبت أن الجيش الصيني يُجري تدريبات بالذخيرة الحية في جيبوتي، وبحلول عام 2020م، أعلنت الصين أن قوات مشاة البحرية الصينية (PLANMC) نشرت وحدة من قوات العمليات الخاصة (SOF) في جيبوتي. وبديهيًا، كان وجود قوات العمليات الخاصة خطوة منطقية تالية لعمليات مكافحة الإرهاب، وفي أبريل 2025م، أجرت جيبوتي والصين تدريبات مشتركة لمكافحة الإرهاب.
كما تتطلع الصين إلى إنشاء قاعدة عسكرية أخرى، من المرجح أن تكون في خليج غينيا. وقد ظهرت تقارير عن محادثاتها مع غينيا الاستوائية والجابون. وفي حين أن أياً من هاتين الدولتين لا تواجه أزمات في مجال مكافحة الإرهاب، فإن هياكل الحكم الاستبدادية الخاصة بهما، إلى جانب قربهما من منطقة الساحل الموبوءة بالإرهاب، من شأنه أن يؤدي إلى حصول بكين على منصة انطلاق مثالية لعمليات مكافحة الإرهاب. علاوة على أنه قد ثبت أن الصين لديها درجة ما من الاهتمام بدول غرب إفريقيا الساحلية الأقل اعتبارًا مثل بنين وتوجو، التي تكافح لوقف تهديدات تنظيم القاعدة (JNIM) وتبين أن الصين تبرعت بأربع طائرات استطلاع من طراز «نورينكو بي إم آر-50» إلى بنين (مارس 2023م) لمراقبة تحركات الجماعات الإرهابية وأربع مدافع هاوتزر (أغسطس 2024م) للمساعدة في تعزيز دفاعاتها ضد هذه الجماعات.
وفيما يتعلق ببحث الصبن عن قواعد جديدة بالقرب من منطقة الساحل، يفترض بعض المحللين أنها قد تبحث عن شركاء أفارقة يسمحون لها بالتمركز هناك، مما يشير إلى أنها تسعى إما إلى الشراكة مع قوى دولية أخرى، أو على العكس من ذلك، أنها تسعى إلى القرب من وجود عسكري دولي آخر لجمع معلومات استخباراتية إضافية.
التدريبات الثنائية والمتعددة الأطراف: لعل من أبرز الخطوات التي اتخذتها الصين لتعزيز الثقة فيها في مجال مكافحة الإرهاب في أفريقيا، هي قيادتها لتدريبات ثنائية ومتعددة الأطراف لمكافحة الإرهاب بين الدول الأفريقية، على غرار ما كانت تفعله في آسيا الوسطى لسنوات. وكانت «تدريبات السلام والوحدة» بين الصين وتنزانيا وموزمبيق هي الأبرز. والتي أجريت في يوليو وأغسطس 2024م، في تنزانيا، وركزت على مكافحة الإرهاب وتعزيز قدرة الدول المشاركة على تنفيذ العمليات. وكانت هي النسخة الرابعة لتدريبات السلام والوحدة الصينية مع تنزانيا، التي سبق أن أجريت في أعوام 2014 و2019/2020 و2023م
وكانت تدريبات 2024م، ومكونة من مرحلتين. الأولى هي المرحلة البحرية، التي تضمنت تسع عمليات، بما في ذلك الدفاع عن الموانئ؛ وتكتيكات مكافحة الإرهاب؛ وعمليات التفتيش والمصادرة؛ ومكافحة الإرهاب والقرصنة؛ والدوريات البحرية المشتركة. إلى جانب العمليات العسكرية، نظم الجيش الصيني أيامًا مفتوحة للسفن لصعود مواطني تنزانيا على متنها، بهدف تعزيز جهوده الدبلوماسية الثقافية وإظهار النهج المتكامل في الدبلوماسية العسكرية. أما المرحلة الثانية، فكانت المرحلة البرية، التي ركزت على مكافحة الإرهاب.
وقد وصف أحد المراقبين هذه المناورات بقوله: أُجريت المرحلة البرية في مركز التدريب المشترك الذي بنته الصين في «مابينغا» بتنزانيا. وركزت على عمليات مكافحة الإرهاب، وقُسِّمت إلى أربع مراحل: تدريب تخصصي مشترك، وقيادة مشتركة، وتدريب تكتيكي، وتدريبات بالذخيرة الحية. وخلال مرحلة التدريب التخصصي المشترك، شاركت وحدات من قوات الدفاع الشعبي التبتية وجيش المجموعة 82 التابع للجيش الصيني في وحدة تدريبية على المعدات. وعرض الجنود الصينيون أكثر من 23 نوعًا من الأسلحة والمعدات، بما فيها الأسلحة الصغيرة، والمسيرات، ومركبات الهندسة والاستطلاع والاتصالات وناقلات الجند. وقد تدرب الجانبان معًا على مفاهيم مكافحة الإرهاب وتكتيكات وتقنيات وإجراءات ساحة المعركة الحديثة.
كما شملت هذه المرحلة تدريبات على التخطيط المشترك للقتال، والتسلل والاستطلاع، والهجوم الخفي والإنقاذ، وقطع الرؤوس والاعتقال. واستخدام الأسلحة الخفيفة ومركبات القتال والهجوم، والقيادة، والاتصالات، والتخلص من الذخائر المتفجرة. وقد أشيد بهذه التدريبات بوصفها “زيادة كبيرة في نطاق وحجم” المشاركة الصينية، ربما تكون أوضح إشارة حتى الآن إلى سعي الصين إلى ترسيخ نفسها كلاعب في مكافحة الإرهاب في أفريقيا.
وتجدر الإشارة إلى أن الدولتين الشريكتين – تنزانيا وموزامبيق – كانتا معقولتين. فبفضل التقارب الاشتراكي والشيوعي، فكانت تنزانيا واحدة من أهم حلفاء الصين العسكريين الأفارقة، حيث كانت شريكًا تدريبيًا معها في ثلاث نسخ من التدريبات، وقد ورد في دراسة أجراها مكتب الدراسات العسكرية الخارجية بالجيش الأمريكي، أن الصين تتلقى درجة “عالية” نادرة نسبيًا من النفوذ العسكري في تنزانيا، ومن جانبها، فإن موزمبيق، جارة تنزانيا الجنوبية الغنية بالموارد ولكنها تعاني من الإرهاب، تعد متعاون بديهي. ومع وجود تهديد إرهابي دائم ولكنه مقيد في موزمبيق من السنة التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (المعروفة أيضًا باسم ولاية وسط إفريقيا التابعة للدولة الإسلامية – موزمبيق، أو (ISCAP-M) يمكن أن تكون مختبرًا مثاليًا للصين لاختبار تكتيكات مكافحة الإرهاب في مسرح غير مدروس.
تدريب قوات الشرطة: إحدى الوسائل الأساسية التي تستخدمها بكين كوسيلة لتجنب اعتبارها عدوانية بدلاً من التدريب العسكري التقليدي.، فقد أولت اهتمامًا واسع النطاق بتدريب الشرطة الأفريقية. واستنادًا إلى فهمها لطبيعة الإرهاب و”الشرور الثلاثة” المذكورة سلفا، فإن تدريب الشرطة الصينية لنظراتها الأفريقية يعتمد على: كبح “الإرهاب” والانفصالية والتطرف الديني. ولكن في الواقع، فإن توغل الصين في مكافحة الإرهاب الأفريقي مدعوم بالهياكل المماثلة التي تميز دور الشرطة في هذا الشأن. خاصة أن كيانات الشرطة الأفريقية تخضع لسلطة تنفيذية مركزية، ويشرف عليها وزير الداخلية أو الشرطة أو الأمن العام، كما هو الحال في الصين. كما أن معظم أجهزة الشرطة الأفريقية جزء من منظومة الأمن الوطني، وتميل إلى العسكرة في تنظيمها الأساسي ونظام تصنيفها وأساليب عملها. إضافة إلى أن بعض هيئات الشرطة الأفريقية تُنظّم ضمن قيادات، ومن الشائع أن تُدمج الشرطة في الجيش، والعكس صحيح، وفيما بين عامي 2018م، و2021م، تلقى نحو 2000 شرطي أفريقي تدريبات من 21 أكاديمية تابعة لوزارة الأمن العام الصينية.
الاستطلاع والمراقبة: من السمات المميزة لاستراتيجيات الصين المحلية لمكافحة الإرهاب في «شيانجينغ» تركيزها على مراقبة «الأويغور» وغيرهم. ومن الظواهر غير المدروسة جيدًا لانخراط الصين في مكافحة الإرهاب بأفريقيا توفيرها تقنيات مراقبة المدن الذكية لدولها لتحسين الأمن والتي يمكن استخدامها أيضًا لتتبع حركة المواطنين عن كثب؛ مما يُشير إلى نهجها المستقبلي في مكافحة الإرهاب. وقد وردت تقارير عن استخدام حكومات أفريقية لهذه لتقنيات الصينية خصيصًا لمراقبة المعارضين،وتتبع السياسيين، وقمع الاحتجاجات، لا سيما في إثيوبيا وأوغندا وزامبيا. وقد ثبت أن الصين انخرطت في تبادل المعلومات الاستخباراتية مع عدد من الدول الافريقية. وبهذا فإن الدور الهائل للصين في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في أفريقيا، وتحديدًا من خلال شركة الاتصالات هواوي، هو أحد الأدوات التي تستخدمها الصين لممارسة النفوذ العسكري في أفريقيا.
وفي هذا الإطار، أطلق بنك التصدير والاستيراد الصيني، في يوليو 2021م، مشروع بوركينا فاسو الذكية بقيمة 94 مليون دولار، بالاشتراك مع شركة «هواوي تكنولوجي» و«شركة الصين للإنشاءات والاتصالات المحدودة» (China Communications Construction Company) (CCCC) لتثبيت شبكة ألياف بصرية بطول 650 كيلومترًا وشبكة مترو بطول 150 كيلومترًا في هذه الدولة، وأيضًا تركيب حوالي 900 كاميرا مراقبة للحد من الجريمة الحضرية، والأهم من ذلك، تحسين جهود مكافحة الإرهاب.
التنمية الاقتصادية: تعد من منظور بكين الأوسع في إعطاء الأولوية للتنمية الاقتصادية، جزءًا من مساعيها للحد من التهديدات الإرهابية. ومن الناحية النظرية، ترى الصين أن الإرهاب يرتكز على الفقر والتخلف؛ ونتيجةً لذلك، فإن التنمية الاقتصادية تُعدّ أحد مناهجها الأساسية لمكافحة التطرف والقضاء عليه، وتؤكد تصريحات سفير الصين، «تشانغ جون» في نوفمبر 2022م، خلال اجتماع مجلس الأمن حول مكافحة الإرهاب في أفريقيا، هذه الرؤية؛ حين قال: ينبغي لنا معالجة أعراض الإرهاب وأسبابه الجذرية. فالوسائل العسكرية والأمنية وحدها لا تكفي للقضاء التام على تهديداته. ويجب أن نركز على الواقع في أفريقيا، بهدف اعتماد نهج حوكمة منهجي؛ لتنفيذ تدابير متكاملة. في منطقة الساحل وبحيرة تشاد بوصفهما حالتين بارزتين. فالاقتصادات المحلية متخلفة نسبيًا، ويواجه السكان فيها صعوبات في كسب عيشهم. لذا، تستغل القوى الإرهابية الوضع، وتستهدف الفقراء العاطلين عن العمل من الطبقة المحرومة لتجنيدهم. وعلى للمجتمع الدولي اتخاذ تدابير لدعم تنمية أفريقيا. وعلى الأمم المتحدة أن تستمع إلى أفريقيا وتولي أهمية أكبر للتنمية فيها، وأن تعمل على تهيئة بيئة مواتية لتمكين تنمية أفريقيا.
كما أوضح السفير المذكور أن الصين تنظر إلى التنمية الاقتصادية بوصفها العلاج الناجع لتصاعد الإرهاب الأفريقي، والتي يمكن للصين توفيرها من خلال مبادرة الحزام والطريق. وأنها لن تفرض تعريفات جمركية على معظم السلع الواردة من أقل البلدان نمواً، مثل بوركينا فاسو، وربطت خفض التعريفات الجمركية بمكافحة الإرهاب.
ثالثا: دوافع الاهتمام الصيني بمكافحة الإرهاب في أفريقيا:
على الرغم من تعدد مبررات الصين، مثل حماية الاستثمارات والمواطنين في القارة يتمحور انخراطها الجديد والمتنامي في مكافحة الإرهاب الأفريقي، حول تنويع مسارات النفوذ في أفريقيا. فحتى الآن، ركّزت على الجانب الاقتصادي كوسيلة لكسب النفوذ فيها، ومن بين الأدوات التي تستخدمها لكسب النفوذ العسكري، الأدوات الاقتصادية، عبر الاستثمار في المعادن والمواد الاستراتيجية، وتطوير البنية التحتية الاستراتيجية، والمبيعات العسكرية.
وها هي تسعى الآن إلى تنويع وسائل نفوذها في أفريقيا وترسيخ وجودها عبر وسائل عسكرية أكثر تقليدية، وإن كانت معتدلة. ويُمكن فهم سعي الصين نحو النفوذ في مجال مكافحة الإرهاب من منظور صعودها الجيوسياسي ورغبتها في أن تُصبح قطبا في مجال الأمن الدولي.
وكما هو مُبين في مؤشر الأمن العالمي، تسعى الصين إلى ترسيخ دور قيادي في مجال الأمن الدولي. ولتحقيق هذه الغاية، قد ترى نفسها، كقوة عالمية طموحة، عاجزة عن الاستمرار في التجاهل التام لإحدى أكثر قضايا الأمن الدولي الشائكة – الإرهاب الأفريقي – إذا كانت ترغب في ترسيخ مكانتها كقائدة أمنية عالمية. وبعبارة أخرى، في حين أن نهجها المُتحفظ في التعامل مع قضايا الأمن الأفريقي على المستويات الأدنى قد نجح حتى الآن، فقد ترى ضرورة لاتخاذ إجراءات أكثر جرأة لإظهار أنها تُنصت بصدق إلى الشواغل الأفريقية وتعمل بجدية على معالجتها. وفي الوقت نفسه، فإن الميزة الأساسية للصين في مكافحة الإرهاب في أفريقيا هي أنها لا تعاني من نفس عبء التاريخ الذي تعانيه الجهات الفاعلة الأخرى: فهي تتمتع بسمعة إيجابية كجهة فاعلة أمنية في القارة وغير مثيرة للجدل بشكل عام.
ويُفهم رغبة الصين في الانخراط في مكافحة الإرهاب الأفريقي من منظور التخطيط العسكري. فهي، تُفكّر في غزو تايوان بحلول عام 2027 أو 2030م، وتحتاج إلى خبرة قتالية سريعة وميدانية، كما أن المناطق الأفريقية المُعرّضة للصراعات تُوفّر لها مسرح تدريب منخفض المخاطر نسبيًا، خاصة أن لديها خبرة قتالية ضئيلة خارج منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وبينما تُفكّر في قدرتها على العمل الحركي في المستقبل، فإنّ امتلاك الخبرة أمرٌ بالغ الأهمية. وكما ذُكر سابقًا، وأشار المراقبون بالفعل إلى حقيقة أن أفريقيا لطالما كانت بمثابة مختبر عسكري صيني لاكتسابها الخبرة في مسارح عمليات جديدة.
وقد تُجبر الصين على دخول المعركة الأفريقية لمكافحة الإرهاب. حيث يُشير تضافر الحقائق الجيوسياسية إلى أن الوقت قد حان لاتخاذ بكين إجراء جديد. مع ارتفاع الإرهاب إلى مستويات غير مسبوقة في منطقة الساحل واستمراره بقوة في أماكن أخرى، خاصة وأن الجهات الخارجية التي تساعد الدول الأفريقية في جهودها لمكافحة الإرهاب – فرنسا والولايات المتحدة، وحتى روسيا مؤخرًا – تُطرد الآن. في حين أن تحديات مكافحة الإرهاب في أفريقيا تتزايد بشكل مؤسف يومًا بعد يوم، وخاصة فيما يتعلق بزيادة حركة الجهات الفاعلة المرتبطة بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى المناطق الساحلية والغربية من غرب إفريقيا، كما أن أي استمرار تدخل تلك الجهات الموجودة بالفعل للمساعدة في جهود مكافحة الإرهاب ستزيد من حالة الفوضى. لذلك، قد يكون لدى الصين حسابات استراتيجية تتعلق بالتوقيت الذي ستدعى فيه لملئ الفراغ الذي خلفته الجهات الخارجية الأخرى بحكمة وبهدوء.
ويمكن فهم وتفسير التزايد في النشاط العسكري الصيني في القارة الإفريقية، وطموحاتها العسكرية الخارجية بشكل عام من خلال عدة نقاط، هي على النحو التالي:
1) دعت أبحاث الدفاع الصينية إلى تحسين المرافق اللوجستية الخارجية لإنجاز المهام العسكرية الخارجية للصين، ودعم “قوات أعالي البحار والمحيطات الصينية” ولتحقيق هذه الأهداف، تحول الجيش الصيني من استراتيجية الدفاع النشط بالقرب من الساحل الصيني إلى استراتيجية عمليات المناورة في أعالي البحار والمحيطات الصينية. ومن ثم أمر الرئيس «شي جين بينج» البحرية الصينية بحل أوجه القصور المتصورة لزيادة القوة العسكرية البحرية بحلول عام 2035م، وهو الموعد المقرر لإكمال المرحلة الحالية من التحديث العسكري البحري للصين.
2) تُعدّ القارة الأفريقية حقل اختبار لعملياتها في أعالي البحار. إضافةً إلى ذلك، يُراقب الجيش الصيني حركة الموانئ تمهيدًا للوصول إلى أفضل المواقع البحرية لإنشاء القواعد البحرية الصينية في القارة الأفريقية. كما يُواصل إجراء العديد من التدريبات العسكرية المشتركة وبرامج التدريب العسكري في الخارج، مما يُحسّن قابلية التشغيل البيني والتعرف على القوات الأجنبية وعمليات المراقبة والاستخبارات، ويمكن القول إن الخبرة المتراكمة لدى الجيش الصيني في المياه الأفريقية تُهيئه لمهام مستقبلية أكثر تعقيدًا للحصول على المزيد من القواعد البحرية حول العالم.
3) أصدرت اللجنة المركزية العليا للحزب الشيوعي خطة «عقد اللؤلؤ» التي تقضي بضرورة إنشاء مجموعة من القواعد العسكرية والبحرية الصينية في آسيا والمحيط الهندي والقارة الأفريقية؛ لضمان الحفاظ على مصالح الصين واستثماراتها المتنوعة والتوسع البحري حول العالم. خاصة في أعماق القارة الأفريقية ودولة ناميبيا وميناء وخليج الفيس الذي يقع في المياه العميقة لناميبيا بالقرب من عدة دول أفريقية أخرى. وتخطط الصين لإنشاء عدة قواعد عسكرية بحرية فيه، خاصة مع توطين العديد من الرعايا الصينيين في عدة دول أفريقية. كما برزت عدة دول أفريقية، مثل: ناميبيا، وكينيا، وسيشل، وتنزانيا، في مقدمة العديد من التكهنات والتوقعات الصينية، كمواقع محتملة لإنشاء قواعد عسكرية بحرية للصين، وكان الوجود الصيني الكثيف في موانئ سيشل مصدر قلق أمريكي وغربي، وهو ما نفته الصين، موضحةً أن “وجودها في سيشل لن يرقى إلى مستوى قاعدة بحرية عسكرية”.
وتؤكد الصين دائمًا أن وجودها في الموانئ الأفريقية يأتي في الغالب لمهام مكافحة القرصنة حفاظًا على مصالحها البحرية. وتتزايد التوقعات بافتتاح الجيش الصيني قاعدته البحرية الثانية في القارة الأفريقية على ساحل المحيط الأطلسي، في إطار مساعي الصين لتصبح قوة عالمية قادرة على إبراز قوتها العسكرية بعيدًا عن سواحلها. ومن بين المواقع التي يُتوقع أن تُفتتح فيها القواعد العسكرية والبحرية الصينية: غينيا الاستوائية وأنغولا وناميبيا، مع تزايد محاولاتها لنشر المزيد من قدرات الجيش الصيني في أفريقيا. التي تستضيف وحدها أكثر من 10 آلاف شركة صينية، ومليون مهاجر صيني، وحوالي 260 ألف عامل صيني، يعمل معظمهم في مشاريع واستثمارات مبادرة الحزام والطريق الصينية، وهي في جوهرها استراتيجية صينية لربط الممرات الاقتصادية والبحرية العالمية بالصين.
4) تسعى الصين إلى الحصول على تسهيلات بحرية في أكبر عدد ممكن من الموانئ الأوروبية مثل ألمانيا وإيطاليا واليونان، بالإضافة إلى التوسع الصيني الكبير في كافة الموانئ الأرجنتينية في أميركا اللاتينية، لتكون بمثابة شبكة مراقبة للملاحة الأميركية في جنوب المحيط الأطلسي، مع إمكانية التفاوض الصيني على استغلال أكبر عدد ممكن من الموانئ التي تستخدمها السفن الصينية بشكل متكرر، مثل: ميناء كراتشي الباكستاني، وميناء صلالة العماني، وموانئ سيشل، وموانئ ميانمار وسريلانكا المجاورتين.
وقد بدأت الصين فعليًا في عام 2016م، بناء أول قاعدة بحرية لها خارج حدودها في جيبوتي. ومن الأسباب التي جعلت جيبوتي مهمة جدًا للصين أنها واحدة من أهم مراكز التجارة العالمية. حيث يتم تفريغ أكثر من 80٪ من حركة البضائع والتجارة التي تستوردها جارتها إثيوبيا في ميناء «دوراليه» وهو أحد أكبر الموانئ ذات المياه العميقة في منطقة شرق إفريقيا. كما تسعى في الوقت الحاضر إلى بناء العديد من القواعد البحرية في إفريقيا، نظرًا لأهميتها للصين، حيث إنها قريبة من شبه الجزيرة العربية ومنطقة الخليج العربي، والتي تستورد منها نصف نفطها الخام حول العالم. وهنا، يذكر أن الصين امتلكت في السنوات الأخيرة ربع ميناء جيبوتي، كما أنها شريكة في بناء البنية التحتية للموانئ ومرافق الطاقة والقطارات، وهي مسؤولة عن حركة التجارة الحرة في جيبوتي وإثيوبيا أيضًا.
5) تحاول الصين اختبار أثر تعزيز قوتها في المنطقة، وفي البحار، وفي العالم أجمع، وتشكيل قوة ردع أمام منافسيها في المنطقة والقوى العظمى. ويُعدّ تعزيز نفوذها في مناطق عدة من العالم جزءًا من الاستراتيجية العامة لوزارة الخارجية الصينية، تحقيقًا للرؤية الاقتصادية الاستراتيجية للصين، والممثلة في الحفاظ على الاستقرار العالمي، مما يضمن استقرار خطوط التجارة الدولية للصين. وعليه، تسعى إلى تطوير قوة عسكرية بحرية حديثة تتناسب مع مصالحها في مجالات الأمن القومي والتنمية، وتوسيع قدرتها على حماية الشواطئ لحماية المياه المفتوحة، وحماية خطوط النقل الاستراتيجية ومصالحها التي تتجاوز البحر، حيث تُطوّر استراتيجيةً عسكريةً بحريةً تُركّز على ضرورة التواجد في أكبر عددٍ ممكنٍ من الموانئ والمعسكرات القريبة من الجانب الأمريكي والغربي، لذلك، أنشأت قاعدة الدعم البحري للجيش الصيني في جيبوتي بمنطقة القرن الأفريقي، مُتجاورةً مع العديد من القواعد العسكرية الأجنبية الأخرى: معسكر «ليمونييه» التابع للبحرية الأمريكية، وقاعدة «إيريان ١٨٨» التابعة لسلاح الجو الفرنسي، وقاعدة قوات الدفاع الذاتي اليابانية.
6) تسعى الصين إلى إنشاء المزيد من القواعد البحرية العسكرية حول العالم، وخاصةً في القارة الأفريقية، لتعزيز قدرتها في منطقة القرن الأفريقي والمحيط الهندي. ولذلك، جاء بناء القاعدة البحرية الصينية في جيبوتي، نظرًا لموقعها الاستراتيجي على مضيق باب المندب، الذي يفصل خليج عدن عن البحر الأحمر، ويُعد البوابة المؤدية إلى قناة السويس. وكان من نتائج وجود قاعدة صينية في محيط قاعدة أمريكية في جيبوتي، على سبيل المثال، حدوث توترات جيوسياسية عديدة مع الجانب الأمريكي، خوفًا من أي وجود صيني بمنطقة القرن الأفريقي. لذا جاء احتجاج المسؤولين الأمريكيين من موافقة جيبوتي على إنشاء قاعدة صينية بالقرب منها، والخوف من تعرض التكنولوجيا العسكرية الأميركية للمراقبة الصينية المستمرة، مما يسهل تعطيلها أو تقليدها، وبالتالي ستضطر إلى سحب هذه التقنيات من أي منطقة تتواجد فيها الصين
رابعا: تحديات المشاركة الصينية في مكافحة الإرهاب الأفريقي:
على الرغم من بعض الأسباب المذكورة أعلاه والتي تشير إلى عقلانية دخول صيني بقوة في مكافحة الإرهاب الأفريقي، إلا أن العديد من التحديات لا تزال قائمة. أولاً، مدى سعي الصين للخوض في المياه المحفوفة بالمخاطر لمكافحة الإرهاب الأفريقي سعياً وراء طريق بديل غير اقتصادي للتأثير. وفي حال المشاركة، سوف تضطر في مرحلة ما إلى التوفيق بين نهجها الحذر والحقائق الوحشية والقرارات الصعبة الملقاة على عاتقها في مجال الإرهاب الأفريقي. ومن الجدير بالذكر أنها أظهرت تاريخيًا من التردد في المشاركة العميقة في مكافحة الإرهاب في الدول الشريكة الأخرى، حتى عندما تتأثر مصالحها بشكل مباشر. فعلى سبيل المثال، تعرض مواطنون صينيون يعملون كجزء من مبادرة الحزام والطريق الصينية للهجوم والقتل في باكستان، وأبدت الصين عدم استعدادها للاستجابة المباشرة، على غرار أخلاقياتها في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وبدلاً من ذلك، استجابت بدفع فدية لجهات فاعلة غير حكومية عنيفة؛ والضغط على القادة لتوفير أمن أفضل؛ وتقديم تقنيات المراقبة. وبالتالي، يبقى السؤال مطروحًا حول كيفية إثبات نفسها كلاعب قوي ومؤثر مع الحفاظ على الحذر وعدم إثارة الجدل: قد يتبين أن نهجها المتحفظ تجاه المخاطر، والذي يُركز على الاقتصاد في مكافحة الإرهاب، مجرد ترغيب للتعامل مع وحشية مشهد الإرهاب الأفريقي الحالي. وفي مرحلة ما، من المرجح أن تضطر الصين إلى عبور جسر محفوف بالمخاطر: إما اتباع نهج أكثر جرأة ومخاطرة وقوة وعسكرة في مكافحة الإرهاب.
ثمة تساؤل آخر، مفاده: هل الصين مستعدة لتحمل مسؤولية كبيرة في بيئة عملياتية معينة على غرار الولايات المتحدة في الصومال، أو فرنسا بمنطقة الساحل أم أنها ستسعى لأن تكون شريكًا أكثر حضورًا بين العديد من مسارح العمليات المختلفة؟ حتى الآن، لم تُظهر الصين التزامًا عميقًا يُذكر تجاه أي دولة أفريقية أو ساحة عمليات مُبتلاة بالإرهاب.
وحتى لو قررت الانخراط بشكل أوسع في أفريقيا، فهل تمتلك نموذجًا فعالًا لمكافحة الإرهاب؟ وما الجديد الذي ستقدمها للدول الأفريقية؟ فرغم مشاركتها في التدريب، إلا أن خبرتها في مكافحة الإرهاب خارج حدودها محدودة. أما عن خلفيتها الحقيقية في مكافحة الإرهاب، فهي منحصرة في التعامل مع الأويغور، سواء داخل حدودها، أو في الدول المجاورة. وخبرتها محدودة في التعامل مع الإرهاب ضمن بعثات حفظ السلام الأممية في مالي. وعدا ذلك فخبرتها في مكافحة الإرهاب ضئيلة، مقارنةً بخبرة الولايات المتحدة، أو فرنسا، أو روسيا. ومع ذلك، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو أنه إذا انخرطت في مكافحة الإرهاب في أفريقيا، فسيكون هناك نهج “اقتصادي أولًا.
وإذا انخرطت فعلا، فهل سينشأ صدام صيني روسي فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب؟ هناك اتجاه تحليلي ناشئ لتحليل الجغرافيا السياسية المعاصرة على الوحدة التحليلية التي تسمى بتحالف ((CRINK بين الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية. حيث يثير هذا التحالف الكثير من القلق؛ لأنه يضع الخصوم الرئيسيين الأربعة للولايات المتحدة في علاقة تعاونية مع بعضهم البعض. في حين أشار بعض المراقبين إلى هذا التحالف على أنه محور الفوضى أو محور الاستبداد. أكد آخرون على هشاشة هذا التحالف، مؤكدين أنه، توافقًا للمصالح بدلاً من توافق دائم للأولويات. وفيما يتعلق بمكافحة الإرهاب في أفريقيا، بعدما أصبحت روسيا القوة المؤثرة الحالية في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ووجود احتمال تعارض أجندتها مع أجندة الصين. زلكن لا يوجد أي دليل واضح على أي خلاف أو منافسة حقيقية بين الصين وروسيا في المجال العسكري أو مجال مكافحة الإرهاب.
وثمة تساؤل آخر، مفاده: هل ستتعاون الصين مع الدول المنبوذة في مكافحة الإرهاب؟ حاليًا أكثر دول الساحل تضررًا من الإرهاب تُدار من قِبل تحالف من المجالس العسكرية المتناحرة. ويتمثل أحد التحديات التي سوف تواجه الصين إذا تعمقت في انخراطها في مكافحة الإرهاب في أفريقيا في مدى تعاونها، إن وُجد، مع هذه الأنظمة المنبوذة. خاصة أنها لعبت حتى الآن دورًا أمنيًا حذرًا ومنصفًا وغير مثير للجدل في القارة. إذا ما أرادت الصين الانخراط في مكافحة الإرهاب، ولو بجدية، فسيتعين عليها: إما التعاون مع هذه الأنظمة المنبوذة وملاحقة الإرهاب بجدية، أو تجنب التعاون معها. وبالتالي العمل على هامش المشاكل الأمنية الحقيقية للقارة. وإذا استرشدنا بالتاريخ، فقد لا يكون هذا الاحتمال محفوفًا بالمخاطر. وتاريخيًا، أثبتت الصين أنها لا تكترث لنظام الدولة؛ وليس لديها رغبة لانتقاد الحكام المستبدين.
الخاتمة:
أظهرت هذه المقالة أنه على الرغم من تركيزها التاريخي الطاغي على النفوذ الاقتصادي، تسعى الصين بهدوء وبشكل متزايد إلى لعب دور الفاعل الأمني الخارجي الرئيسي في أفريقيا، بما في ذلك في مجال مساعدة مكافحة الإرهاب، والذي غالبًا ما يكون محفوفًا بالمخاطر. ولم يُظهر نهج الصين في مكافحة الإرهاب حتى الآن أيًا من الأبعاد الأكثر إثارة للقلق التي أظهرها النهج الروسي أو الأمريكي أو الفرنسي، ويمكن أن يُحقق بالفعل فوائد للمواطنين الأفارقة المعرضين لخطر العنف.
تمثل أفريقيا أرض اختبار للتدخل العسكري والأمني لجمهورية الصين الشعبية خارج حدود الصين، حيث تُعدّ أفريقيا موقعاً لأكبر قوة عسكرية منتشرة لجيش التحرير الشعبي الصيني تعمل خارج حدود الصين، إذ تنتشر قوات جيش التحرير الشعبي في جيبوتي، وتعمل ضمن بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام، وتُجري عمليات لمكافحة القرصنة في خليج عدن. ومنذ إنشائها في عام 2017، توسعت قاعدة جيش التحرير الشعبي الصيني في جيبوتي من “منشأة لوجستية” مصممة لخدمة عمليات الانتشار الدورية إلى قاعدة لوجستية رئيسية مع رصيف بحري مخصص قادر على استضافة أكبر السفن البحرية الصينية ووحدة عمليات خاصة تابعة لسلاح مشاة البحرية الصينية قادرة على دعم المهام القتالية، ومن المرجح أن تسعى جمهورية الصين الشعبية إلى إنشاء المزيد من القواعد العسكرية والبنية الأساسية في جميع أنحاء القارة، بما في ذلك في خليج غينيا على الساحل الغربي لأفريقيا.
تظل جمهورية الصين الشعبية منخرطة بشكل عميق في مجال الأمن في أفريقيا، على الرغم من بعض النكسات، حيث تقود المنتديات المتعددة الأطراف مثل منتدى التعاون الصيني الأفريقي ومنتدى السلام والأمن الصيني الأفريقي، وتعمل على تعزيز نفوذها لدى القادة العسكريين الأفارقة من خلال برنامج تعليمي عسكري مهني قائم منذ فترة طويلة، كما تعمل على زيادة مبيعاتها من الأسلحة إلى الدول الأفريقية في الوقت الذي تتراجع فيه المبيعات الروسية إلى القارة.
تتضمن تداعيات مشاركة جمهورية الصين الشعبية في قطاعي الأمن والجيش في أفريقيا على الدول الأفريقية ما يلي:
تعميق المشاركة الأمنية المتعددة الأطراف لجمهورية الصين الشعبية قد يؤثر سلباً على سيادة وحوكمة كل دولة أفريقية على حدة في جميع أنحاء القارة.
قد تشكل القواعد العسكرية الصينية عبئا سياسيا على الحكومات الأفريقية التي تستضيفها.
تستخدم الصين أفريقيا كحقل اختبار لتطلعاتها إلى المساعدات الأمنية على المستوى العالمي من خلال تنفيذ مبادرة الأمن العالمي، وهو ما قد ينبئ بوجود عسكري وأمني أكثر نشاطا على المستوى العالمي لجيش التحرير الشعبي الصيني في المستقبل.

