وخلافًا لمشاريع مرحلة ما بعد الحرب الباردة، انبثق مشروع التطبيع من داخل المنطقة، مدفوعًا بالقوة المالية الخليجية. ومستهدفا الانتقال من ديناميكيات المحصلة الصفرية إلى “التجزئة” وإدارة الصراعات والمصالح المتنوعة، وتبني موقف غير أيديولوجي. ولكن يبقى أن نرى مدى قدرته في مواجهة الديناميكيات والتطورات الإقليمية الجديدة.
ويبدو أن النظام الإقليمي القائم على الخليج يختلف عن تجارب بناء النظام الاقليمي السابق، من خلال التأكيد على شمول التطبيع واعتماد نهج غير فكري، قائم على الاقتصاد. ومع ذلك، فإنه يواجه تحديات كبيرة، لا سيما المنافسة بين أنصاره الرئيسيين، وعدم الاستقرار في ظل عدوان إسرائيل الجاري على الفلسطينيين في غزة، منذ 2023م.
أولا: مراحل التطبيع الإقليمي:
شهد مصطلح التطبيع انتشارًا واسعًا في وصف التحولات السياسية بمنطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، خاصة فيما بين عامي 2020 و2023م، التي برزت خلالها تطورات متتالية، بدت في ظاهرها غير مترابطة، إلا أنها أفضت إلى موجات من التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول، في مقدمتها دول الخليج العربية. وكان أبرز هذه التطورات توقيع اتفاقيات إبراهام، في سبتمبر 2020م، جمعت إسرائيل مع كل من الإمارات والبحرين، ثم انضمت المغرب والسودان إليها في ديسمبر 2020 ويناير 2021م، على الترتيب، بدعم نشط من الولايات المتحدة. لتمثل هذه الاتفاقيات تحولاً جذريًا في طبيعة العلاقات بين إسرائيل والعالم العربي، إذ تمكنت لأول مرة منذ توقيع معاهدة السلام بينها وبين الأردن، عام 1994م، من تحقيق اختراق دبلوماسي رسمي ومباشر خارج سياق عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية.
ثم انخرطت تركيا في الموجة الثانية من التطبيع، عام ٢٠٢٢م، بعد خوض منافسة شرسة مع السعودية والإمارات ومصر، منذ عام 2011. وبعد مرور قرابة عشرة أعوام، كانت الإمارات السعودية في طليعة الدول العربية المُطبٌعة مع تركيا، ولحقت بهما إسرائيل ومصر، ليستعيد الجميع علاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية مع تركيا.
بينما ركزت الموجة الثالثة على إيران، الطرف البارز الآخر في التنافس الإقليمي الذي نشأ بعد الغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣م، وكما هو الحال مع إسرائيل وتركيا، كانت الإمارات أول من طبّع العلاقات مع إيران، ثم لحقت بها السعودية عام ٢٠٢٣م، بوساطة صينية.
ثم شهدت المنطقة العربية موجة تطبيع أخرى، عندما رُفع الحصار الذي فرضته الرباعية العربية السعودية والإمارات والبحرين ومصر، قطر، عام 2017م، خلال قمة مجلس التعاون الخليجي، التي عُقدت عام 2021م، بمدينة العلا السعودية.
وشهدت سوريا حالة أخرى من التطبيع العربي الداخلي، بدأت في ديسمبر 2018م، عندما أعادت الإمارات فتح سفارتها في دمشق، واتسع نطاق هذه العملية عندما أعلنت جامعة الدول العربية في 7 مايو 2023م، إنهاء تعليق عضوية سوريا الذي استمر 12 عامًا، وحضر الرئيس بشار الأسد في وقت لاحق من ذلك الشهر قمة جامعة الدول العربية بالمملكة العربية السعودية.
وهكذا، أصبح تطبيع السياسة الإقليمية بشكل متزايد المبدأ المنظم للعلاقات الدولية في الشرق الأوسط. ولكن كيف ولماذا تغلبت هذه الدول على علاقات قائمة على التنافس الشديد وإدراك التهديد المتبادل – وهي علاقات ميزت فترة ما بعد الانتفاضات العربية، وخاصة منذ عامي 2016 و2017؟ ثم كيف يمكن تفسير خيارات قيادة دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، في موجات التطبيع التي تشهدها المنطقة؟
ثانيا: الأنظمة الإقليمية:
ركزت دراسات كثيرة على جهود التطبيع الثنائية، مقدمةً تفسيرات خاصة بكل دولة، مؤكدةً على عوامل مثل القيادة، والاعتبارات الاقتصادية المحلية، والملاءمة السياسية، كعوامل دافعة لتطبيع العلاقات مع الخصوم السابقين، ولأن هذه ظاهرة إقليمية، فقد لعبت الديناميكيات الإقليمية أيضًا دورًا حاسمًا، مما دفع الدول إلى تعديل نهجها.
في هذا السياق، درس بعض الباحثين تأثير النظام الدولي، وكيف سهّلت التغيرات في أدوار الجهات الفاعلة في التطبيع. وجادلوا بأن تحول السياسة العالمية من أحادية القطب إلى تعدد الأقطاب – وموقف الولايات المتحدة في إعادة تعريف انخراطها في المنطقة – قد حفّز القوى الإقليمية على إعادة النظر في أدوارها. كما جادلوا بأنه في سياق اتفاقيات إبراهام، سعت الولايات المتحدة إلى تفويض مصالحها الأمنية إلى شبكة من الحلفاء الإقليميين، لا سيما من خلال تعزيز التطبيع بين إسرائيل والدول العربية الرئيسية، مع توجيه تركيزها الاستراتيجي نحو آسيا.
مع مراعاة التفسيرات المتنافسة، تُجادل هذه الدراسة بأن موجة التطبيع في جميع أنحاء المنطقة ينبغي فهمها في المقام الأول كمبادرة استراتيجية من قِبل الجهات الفاعلة الإقليمية نفسها، مستخدمةً التطبيع كأداة لتعزيز رؤاها الخاصة لنظام إقليمي جديد.
وأُجادل بأن دول الخليج كانت محورية في هذه الجهود، التي تُوجت بظهور “نظام إقليمي خليجي. وبدلاً من النظر إلى التطبيع على أنه عملية مدفوعة خارجيًا أو سياسة ذات دوافع محلية فحسب، تُركز هذه الدراسة على المستوى الإقليمي، مُحللةً كيف تُروج دول الخليج لنظام إقليمي جديد من خلال التطبيع.
وعلى الرغم من وجود جهد جماعي لصياغة نظام إقليمي خليجي، إلا أن هناك منافسة شديدة على الدور القيادي فيه. على سبيل المثال، تسعى السعودية، التي تشهد حاليًا تحولًا داخليًا كبيرًا، إلى ترسيخ مكانتها المهيمنة التقليدية داخل الخليج وخارجه. وفي الوقت نفسه، تواجه المنطقة منافسة شرسة من قطر والإمارات في سعيهما للتخلي عن أدوارهما الثانوية التقليدية وتعزيز مكانتهما في النظام الإقليمي المتطور.
وعليه، نزعم أن هذه الديناميكيات المزدوجة، والسعي إلى نظام إقليمي قائم على الخليج، والتنافس بين دول الخليج، مكونات أساسية لفهم السياسة الدولية في الشرق الأوسط.
ومن خلال التركيز على العديد من مشاريع النظام الإقليمي الحديثة، نهدف هنا إلى فهم أسباب فشل هذه المشاريع، فمنذ نهاية الحرب الباردة، بُذلت ثلاث محاولات لإقامة نظام إقليمي في الشرق الأوسط. قادت الولايات المتحدة المشروعين الأولين، الأول في ذروة الأحادية القطبية، والثاني في أعقاب هجمات القاعدة على الولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001م، في الأول، عملت الولايات المتحدة بالتعاون مع حلفائها الإقليميين، وفي الثاني بدرجة أقل، لكنهما فشلا في بناء نظام مستقر.
أما المحاولة الثالثة، فقد ظهرت بعد الانتفاضات العربية، وقادتها دولتان إقليميتان، تركيا وقطر، إلى جانب حلفائهما الإقليميين. وفي المقام الأول، أحزاب تابعة لجماعة الإخوان المسلمين. وفشلت هذه المحاولة أيضًا، لأن أحزاب الإخوان هُزمت في سعيها لتوطيد سلطتها، مما ترك تركيا وقطر معزولتين في مواجهة تحالف إقليمي مضاد وقوي. تزعم هذه المقالة أنه منذ عام 2020م، كانت هناك جهود جديدة لإنشاء نظام إقليمي قائم على الخليج؛ ومع ذلك، تواجه هذه المبادرة تحديات كبيرة خاصة بها، بما في ذلك الحرب الإسرائيلية الفلسطينية المستمرة في قطاع غزة وإسقاط نظام الأسد في سوريا في ديسمبر 2024م.
إن الإخفاقات المتكررة للقوى الإقليمية والدولية في إرساء نظام إقليمي دائم تُثير التساؤل حول أسباب فشل هذه الجهود. ومن خلال طرح الحجج المتعلقة بهذه الإخفاقات، تهدف هذه الدراسة إلى المساهمة في دراسات النظام الإقليمي بشكل عام، وفي حالة الشرق الأوسط بشكل خاص. أولًا، سأناقش بإيجاز المحاولات السابقة لبناء نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة، ثم سأركز على المشروع الحالي للنظام الإقليمي الخليجي. وفي هذا السياق، سأدرس السياق الذي مكّن هذا المقترح الجديد، وسأحلل المبادئ التي يقوم عليها. وأخيرًا، بعد استعراض مشاريع النظام الإقليمي المختلفة هذه، سأحدد العوامل التي ساهمت في فشلها في الشرق الأوسط.
على الرغم من أن مفهوم الأنظمة الإقليمية قد دُرس منذ سنوات الحرب الباردة، وأن المستوى الإقليمي قد اكتسب أهمية جديدة في السنوات التي تلت ذلك، إلا أنه اُستدعي مؤخرًا للنقاش من جديد في قضية أن المفهوم “لا يحمل معنى مشتركاً، وتعكس الأدبيات المتعلقة بالأنظمة الإقليمية في الشرق الأوسط هذا الغموض. وتكمن إحدى القضايا الرئيسية في تعريف الشرق الأوسط، وهي منطقة لا يدل اسمها على جغرافية محددة، لأنها نشأت كانعكاس للمصالح الاستراتيجية للقوى الخارجية.
من المشكلات الأخرى التي أحاطت بمناقشة الأنظمة الإقليمية في الشرق الأوسط الخلط بين “النظام الإقليمي” و”النظام في المنطقة”، والذي غالبًا ما يُشدد على الصراع وعدم الاستقرار وانعدام التعاون في المنطقة كمؤشرات على غياب نظام إقليمي.
ومع ذلك، وكما جادل علماء العلاقات الدولية رافاييلا ديل سارتو، وهيلي مالمفيج، وإدوارد سولير، فإن “النظام الإقليمي يدل على أشكال متنوعة من التفاعلات والمفاوضات والافتراضات المشتركة، بل وحتى المعايير والمؤسسات المشتركة، بين الجهات الفاعلة في منطقة معينة”.
وبناءً على هذا الفهم، أزعم أن مشروع النظام الإقليمي هو رؤية طورتها جهات فاعلة خارجية أو إقليمية بشأن طبيعة التفاعلات والافتراضات المشتركة حول تلك المنطقة من حيث خصائصها السياسية والاقتصادية والمعيارية.
مع الاعتراف بدور الجهات الفاعلة غير الحكومية، يُجمع الباحثون على أن الأنظمة الإقليمية تُعد في المقام الأول مدفوعة من قِبل الدول. ومع ذلك، وكما يتضح من تصرف حماس عام 2023م، ودور جماعة هيئة تحرير الشام شبه العسكرية في الإطاحة بنظام الأسد، فإن الجهات الفاعلة غير الحكومية تُعدّ مهمة في صنع الأنظمة الإقليمية، ليس فقط كمُخرّبين، بل أيضًا كمشاركين. وفيما يتعلق بتأثير الهياكل مقابل الجهات الفاعلة في تشكيل الأنظمة الإقليمية وتغييرها، يمكن للعوامل الهيكلية والتحولات أن تخلق فرصًا، ولكن يتعين على الجهات الفاعلة الحكومية في النهاية اغتنام هذه الفرص لبدء مشاريع النظام. إن مناقشة الأنظمة الإقليمية كمشاريع تُؤكد على أهمية الوكالة في تفسير إمكانيات النظام الجديد والاستفادة منها، مع الاعتراف أيضًا بأن السمات الهيكلية تُمكّن هذه الإمكانيات وتُقيّدها في آن واحد.
كما يجب على أي مشروع لنظام إقليمي أن يتناول قضيتين إضافيتين. الأولى لها صلة بجميع المناطق، في تحديد طبيعة العلاقات مع القوى العظمى. وهذا مهم بشكل خاص لمنطقة الشرق الأوسط، حيث لعبت القوى الخارجية تاريخيًا دورًا رئيسيًا في السياسة الإقليمية من خلال مشاريعها الخاصة. أما الثانية فهي خاصة بالشرق الأوسط. ولأن المنطقة تتكون من نواة عربية، فإن النظام الإقليمي يُخلط أحيانًا بالنظام العربي.
وبالتالي، فإن السؤال المحوري لمشروع النظام الإقليمي يتعلق بطبيعة مشاركة الأعضاء غير العرب في المنطقة. في هذا السياق، نستطيع تعريف مشروع النظام الإقليمي من خلال ثلاثة أبعاد:
البعدالأمني: كيف تُدار قضايا الحرب والسلام؟ كيف تتفاعل المنطقة مع القوى الخارجية من حيث العلاقات الأمنية؟
البعد الاقتصادي: ما طبيعة العلاقات الاقتصادية الإقليمية؟ وكيف ينبغي للمنطقة أن تتفاعل مع الاقتصاد العالمي؟
البعد الفكري: ما هي الجوانب الفكرية التي ينبغي أن تميز العلاقات بين الجهات الفاعلة الإقليمية؟ وما هي المعايير والأدوار والهويات التي ينبغي أن تكون سائدة؟
ثالثا: الأحادية القطبية:
فتحت نهاية الثنائية القطبية والحرب الباردة، الطريق أمام الولايات المتحدة لتصبح صانعة النظام الوحيدة دون منافسة من قوة عظمى عالمية أخرى. بدأت التسعينيات بغزو العراق للكويت وما تلاه من حرب الخليج بين تحالف بقيادة الولايات المتحدة والعراق. حيث أتاحت الحرب هيمنة الولايات المتحدة على المنطقة وقبولها بين الأطراف الإقليمية.
وفي عام ١٩٩٣م، عندما أدى الرئيس بيل كلينتون اليمين الدستورية في البيت الأبيض، شرعت إدارته في بذل جهد جديد لإنشاء نظام شرق أوسطي بالتعاون مع حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين وكجزء من النظام العالمي الناشئ. تضمنت هذه الرؤية عدة عناصر، أبرزها عملية سلام عربية إسرائيلية تهدف إلى إنهاء الصراعات المطولة، التي شكّلت مصدرًا لعدم الاستقرار في المنطقة وقوّضت باستمرار سياسة الولايات المتحدة القائمة على التحالفات بين الدول المتشابهة في التفكير. وأن هذا السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وكذلك بينها وبين دول عربية أخرى، من شأنه أن يمهد الطريق لاندماج البلاد في المنطقة ويحقق الاستقرار الشامل. وكما أظهرت المسارات متعددة الأطراف لعملية مدريد للسلام عام 1991م، كان السلام مفتاحًا لمشروع أوسع نطاقًا للنظام الإقليمي. وقد شددت هذه المسارات على بناء الترابط الاقتصادي، والتعاون في مجالي المياه والبيئة، واتفاقيات الحد من الأسلحة في جميع أنحاء المنطقة.
وقد تماشى هذا مع الاتجاهات العالمية للتحرر السياسي والاقتصادي التي تروج لها الولايات المتحدة ومؤسسات عالمية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وقد تضمن المشروع الأمريكي تحديدًا تعزيز السياسات الاقتصادية النيوليبرالية وتوسيع العلاقات الاقتصادية الإقليمية في المنطقة. واعتُبرت إيران والعراق بمثابة مُفسدين لهذه الرؤية، إذ شكّلت مقاومتهما للنفوذ الأمريكي بالمنطقة ومعارضتهما لإسرائيل تحدياتٍ لمشروع النظام الجديد في الشرق الأوسط. ونتيجةً لذلك، تبنت إدارة كلينتون سياسة الاحتواء المزدوج، لاحتواء هاتين الدولتين، ومن الناحية المثالية، ممارسة ضغط كافٍ عليهما لتسهيل تغيير النظام. في غضون ذلك، زادت الولايات المتحدة من وجودها العسكري في المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة، لا سيما في الخليج.
تضمنت رؤية الولايات المتحدة لنظام شرق أوسطي جديد مشاركة حلفائها الرئيسيين، مثل مصر وإسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي. وشاركت تركيا أيضًا، ولكن بشكل محدود، ثم سوريا التي انضمت على مضض.
كما أن مشاركة سوريا في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة وعملية السلام التي ترعاها واشنطن لم تُشر إلى تغيير أيديولوجي، بل إلى إعادة تموضع براغماتي استجابةً لتحول النظام الدولي وظهور القطب الواحد. حيث صُممت هذه التحركات لتعزيز أمن النظام وتحقيق مكاسب دبلوماسية واقتصادية في ظل سياق إقليمي متقلب.
وهكذا، استندت الرؤية الأمريكية للنظام الإقليمي إلى مبادئ ليبرالية تتماشى مع التحولات العالمية. وشكّل الترابط الاقتصادي المدعوم بسياسات اقتصادية نيوليبرالية، والأمن والاستقرار من خلال عملية سلام عربية إسرائيلية، وإطار أمني إقليمي، واحتواء دولتين متعارضتين، ركائز النظام الإقليمي المقترح. إلا أن المشروع واجه تحديات جسيمة، ولم يُسفر إلا عن معاهدة سلام بين إسرائيل والأردن عام ١٩٩٤م، وهكذا انهارت عملية السلام بحلول عام ٢٠٠٠م، كما تجسد في اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية. كما ضعفت سياسة الاحتواء المزدوج الأمريكية، وواجهت انتقادات متزايدة من قوى إقليمية وعالمية عديدة. وأشار النقاد في دوائر السياسة الأمريكية إلى أنها فشلت في تحقيق هدفها بتغيير النظام. علاوة على ذلك، افتقر احتواء إيران إلى دعم حلفاء الولايات المتحدة، وبدأ الإجماع الدولي بشأن العراق ينهار في منتصف التسعينيات.
مثّل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م، محاولة أمريكية أخرى لبناء نظام إقليمي جديد. فمنذ البداية، صوّر الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش الغزو كجزء من إطار أوسع للسياسة الإقليمية المتمحور حول تعزيز الديمقراطية في المنطقة. وعلى عكس المحاولة السابقة، كانت الولايات المتحدة هي المدافع الوحيد عن هذه الرؤية، مما أثار قلقًا حتى بين أقرب حلفائها، مثل مصر والسعودية. وكان موقف تركيا بارزًا أيضًا، حيث منع برلمانها المشاركة التركية في حرب العراق. أما حزب العدالة والتنمية الذي شكله “الجناح الإصلاحي” لحزب الفضيلة الإسلامي بعد انقسام دفع أعضائه إلى تقديم أنفسهم على أنهم “ديمقراطيون محافظون” – فقد انقسم في البداية بشأن الغزو الأمريكي. ومع ذلك، سرعان ما أصبح حزب العدالة والتنمية حريصًا على لعب دور في هذا المشروع الهادف إلى تحويل المنطقة من خلال الديمقراطية.
واستُبعدت إيران، القوة الإقليمية غير العربية الثالثة، مرة أخرى من المشروع، مع استمرار عزلتها من خلال تزايد الحظر. بعد ذلك بوقت قصير، تدهورت علاقات إيران مع الولايات المتحدة والقوى الإقليمية بشكل أكبر وسط أزمة حول برنامجها النووي.
وهكذا، تأسس مشروع النظام الإقليمي الجديد على مبادئ تغيير الأنظمة والديمقراطية، بالإضافة إلى الإبراز الكامل للقوة الأمريكية. وبينما كانت إسرائيل وتركيا – إلى جانب الدول العربية، بما في ذلك العراق الجديد في ظل نظام جديد – جزءًا من هذه الرؤية، ظل احتواء إيران عنصرًا أساسيًا. ومع ذلك، سرعان ما فشل هذا المشروع. وبدأت الولايات المتحدة تواجه تحديات خطيرة في العراق. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة انخرطت في الصراع بشكل كامل في المنطقة بعد حشد 130,600 جندي بحلول عام 2004 و157,800 في عام 2008م إلا أن هذا الإنخراط أدى إلى تأجيج الطائفية وإشعال فتيل تمرد جهادي واسع النطاق. ونتيجة لذلك، أصبح الشرق الأوسط بعد حرب العراق غير مستقر وغير آمن بشكل متزايد. كما أن المشروع الأمريكي، عن غير قصد، ولّد أيضًا كتلة مضادة، بقيادة إيران وحلفائها – سوريا وحزب الله وحماس. وفي نهاية المطاف، تخلت إدارة بوش عن مشروعها الديمقراطي وعززت تحالفاتها لتحقيق الاستقرار في العراق واحتواء إيران، إلا أن التكاليف المحلية الإجمالية لحرب العراق دفعت إلى إعادة التفكير في المشاركة الأمريكية المباشرة في الشرق الأوسط. وكان أحد العواقب تراجع الولايات المتحدة عن دورها في صنع النظام؛ فرغم أن الولايات المتحدة لا تزال تسعى إلى تحقيق مصالحها في المنطقة، إلا أنها لم تعد تعمل على تطوير مشروع نظام إقليمي شامل بأبعاد أمنية واقتصادية وأيديولوجية متكاملة.
رابعا: الانتفاضات العربية:
شكّلت الانتفاضات العربية عامي 2010 و2011م، نقطة تحول أخرى في السياسة الإقليمية في الشرق الأوسط، حيث أثارت التحولات الداخلية الكبرى في العديد من الدول العربية احتمالات قيام نظام إقليمي جديد، مما أثار نقاشًا أكاديميًا حول ما إذا كان قد نشأ نظام جديد. كان هذا مشروعًا قصير الأجل نشأ من المنطقة، على عكس المحاولتين السابقتين بعد الحرب الباردة، اللتين قادتهما الولايات المتحدة بالتعاون مع حلفاء إقليميين مختلفين. رأت تركيا، بقيادة حزب العدالة والتنمية، الذي يُصوَّر كوجه “للإسلاموية المعتدلة” في الغرب والمنطقة، بقيادة رجب طيب أردوغان، فرصةً من المرجح أن تُفيد أحزاب الإخوان المسلمين. وهكذا، اعتُبر انتخاب مرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي في مصر نقطة تحول. وكما جادل عالم السياسة إيوان شتاين، فقد برزت آفاقٌ لنظام إقليمي تقوده تركيا “مدعوم من القوة الاقتصادية القطرية، وقائم على التبعيات الأيديولوجية الإقليمية لحزب العدالة والتنمية”.
وقد جمع هذا المشروع، الذي تدعمه تركيا وقطر، بين الإسلام السياسي على غرار حزب العدالة والتنمية والاعتماد على التصويت الشعبي لإيصال أحزاب الإخوان المسلمين إلى السلطة – والسياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي تهدف إلى الاندماج في الاقتصاد العالمي. وكان من المأمول أن تؤدي مثل هذه التحولات المحلية إلى تعزيز الاستقرار والازدهار الإقليمي من خلال تعزيز العلاقات الاقتصادية.
وكنه واجه أيضًا تحديات كبيرة. حيث أثار صعود التحالف التركي القطري، بوكلائهم من أحزاب الإخوان المسلمين قلقاً وتوجساً من جانب الدول العربية المستقرة، حيث قادت السعودية والإمارات تكتلًا مضادًا. ودعمتا الحركات المناهضة للإخوان المسلمين في الدول الثائرة، ووازنتا نفوذ تركيا وقطر أينما ظهرتا. وسرعان ما فشل هذا المشروع في عام عام ٢٠١٣م، مما أضعف موقف تركيا في الاقليم عموماً وفي سوريا بشكل خاص – وهي دولة استثمر فيها حزب العدالة والتنمية بكثافة – وسرعان ما واجهت تركيا ضغوطًا، ليس من الكتلة السعودية الإماراتية، بل من روسيا وإيران، اللتين ضاعفتا دعمهما لنظام الأسد. كما شكلت السعودية والإمارات تحالفًا مع مصر والبحرين، مما زاد الضغط على قطر بفرض حصار عليها في عام 2017. وهكذا، اتسمت السياسة الإقليمية بالتنافس لا سيما فيما بين 2016-2017 و2019-2020م، حتى بدأت عملية التطبيع أخيرًا.
خامسا: مشروع نظام إقليمي متمركز حول الخليج:
تبنت دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، أحدث مشروع نظام إقليمي، مما جعله مشروع نظام إقليمي نابعًا من داخل المنطقة. وأدت العديد من التطورات إلى ظهور مثل هذا المشروع، منها:
أن الولايات المتحدة أعادت تعريف علاقاتها بالمنطقة مع التحولات العالمية واحتدام منافستها مع الصين وروسيا. ورغم أن إعادة التعريف هذه لا تشير إلى انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، إلا أنها تُظهر تهميش دورها التقليدي في صنع النظام. وبدلاً من ذلك، تبنت مواقف مجزأة بشأن قضايا محددة – مثل الحرب ضد داعش، وموازنة إيران، ودمج إسرائيل في المنطقة. ومع ذلك، لم يُتوّج أيٌّ من هذه الجهود بمشروع نظام إقليمي واسع النطاق على غرار الجهود السابقة.
وبدأت هذه العملية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، لكن الجهات الفاعلة الإقليمية بدأت تنظر إليها مؤخرًا على أنها تحول طويل الأمد. وقد بشر تصاعد الصراع العالمي والتغيرات في انخراط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بعهد جديد، مما أتاح مساحة للمناورة الإقليمية ومكّن الدول من قيادة نظام جديد. في هذا السياق، تختار الدول الإقليمية الآن تنويع علاقاتها مع القوى العظمى، وبالتالي فإن الموقف الأمريكي الجديد – والاهتمام الذي توليه قوى كبرى أخرى مثل الصين وروسيا الآن للخليج – قد أعاد تموضع دول الخليج. وعلى وجه الخصوص، اتبعت والإمارات والمملكة العربية السعودية، وإلى حد ما قطر، سياسة “الاستقلال الاستراتيجي”، مما أدى إلى تنويع استراتيجي وموقف عسكري ودفاعي أكثر حزماً.
علاوة على ذلك، تمتلك دول الخليج أدوات رئيسية للاستفادة من هذه البيئة الجديدة. فقد أدت فترة ما بعد جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار النفط والغاز الطبيعي العالمية. وفي الوقت نفسه، انتعشت اقتصادات السعودية والإمارات وقطر بشكل حاد بعد الركود الناجم عن الجائحة. ومع ذلك، تُدرك النخب السياسية في هذه الدول أن ارتفاع أسعار النفط قد يكون مؤقتًا، وبالتالي هناك حاجة إلى التنويع. وكان أحد العناصر الرئيسية في استراتيجية التنويع الخاصة بها هو تدفق رأس المال الخليجي إلى الأسواق الإقليمية عبر قنوات مختلفة. وعلى الرغم من أن الاستثمار الخليجي بالخارج ليس تطورًا جديدًا بعد الجائحة، إلا أن هذه الحقبة تُتيح فرصًا للاستثمارات الخليجية في كل من الدول العربية وغير العربية.
في السنوات الأخيرة، زادت دول الخليج بشكل ملحوظ من مشاركتها الاقتصادية مع الدول الإقليمية الرئيسية من خلال التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر وودائع البنوك المركزية والمساعدات الإنمائية الرسمية. وبحلول يوليو 2021م، تصدرت إسرائيل محفظة استثمارات الإمارات بما يقرب من 75 مليون دولار، وتلتها مصر بما يقرب من 66 مليون دولار، بينما تلقت الأردن 19 مليون دولار، ولبنان ما يقرب من 8 مليارات دولار مليون دولار، في حين تلقت تركيا والأردن استثمارات بقيمة تقارب 6 ملايين دولار، ولبنان ما يقل قليلاً عن مليوني دولار.
بالإضافة إلى ذلك، حققت دول الخليج العربية، مثل السعودية والإمارات، أهدافها السياسية والأمنية في الشرق الأوسط ما بعد الانتفاضات العربية. فمن ناحية، يبدو أن هزيمة جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة قد قضت على التهديدات المحلية والإقليمية. ومن ناحية أخرى، تضاءل نفوذ المنافسين الإقليميين الآخرين. على سبيل المثال، أعادت تركيا التركيز على جيرانها المباشرين، لا سيما فيما يتعلق بالمخاوف بشأن وجود حزب العمال الكردستاني (PKK) وتصاعد القومية الكردية. علاوة على ذلك، أدت تجربة حكومة حزب العدالة والتنمية السابقة في دورها في صنع القرار، وخاصة في أعقاب الانتفاضات العربية مباشرة، إلى انتكاسات وإحباطات. بسبب التحديات الاقتصادية منذ عام 2018، وسعى حزب العدالة والتنمية بشكل عاجل إلى جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، حيث برز الخليج كمصدر مهم.
في عام 2022 وقعت تركيا والإمارات اتفاقية مبادلة بقيمة 5 مليارات دولار ساعدت حكومة حزب العدالة والتنمية في خضم أزمة احتياطي العملة. ونتيجة لتوقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة في عام 2023، زادت التجارة غير النفطية بين والإمارات وتركيا بأكثر من 100%، مما جعل تركيا أسرع الدول نموًا بين أكبر 10 شركاء تجاريين للإمارات العربية المتحدة.
بالإضافة إلى ذلك، أظهر قرار السعودية بإيداع 5 مليارات دولار في البنك المركزي التركي قبيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية المحورية لحزب العدالة والتنمية في مايو 2023م، في وقت واجهت فيه تركيا واحدة من أسوأ أزماتها الاقتصادية.
كما واجهت إيران قيودًا على أنشطتها الإقليمية حيث أصبح من الواضح أن إحياء الاتفاق النووي سيكون أكثر صعوبة مما كان متوقعًا. وواجه النظام الإيراني أكبر احتجاجاته وأكثرها دموية حتى الآن فيما يتعلق بشرعيته في عامي 2022 و2023. وفي هذا السياق، تطورت العلاقات بين إيران والإمارات والسعودية. ففي السنوات الأخيرة، انتعشت التجارة بين إيران والإمارات والسعودية بعد تطبيع العلاقات. في عام 2022، وتجاوزت صادرات والإمارات إلى إيران 6 مليارات دولار، مما جعل إيران الوجهة الحادية عشرة من حيث الحجم للصادرات الإماراتية. وفي ظل العقوبات الغربية الشاملة، أصبحت قيمة التجارة مع والإمارات أعلى بالنسبة لإيران، مما جعل الإمارات ثاني أكبر شريك تجاري لها بعد الصين. وفي أبريل 2024م، انعقدت اللجنة الاقتصادية المشتركة الإماراتية الإيرانية في أبوظبي لأول مرة منذ عقد من الزمان لبحث سبل توسيع العلاقات الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، بدأت العلاقات التجارية السعودية الإيرانية في التحسن أيضًا بعد اتفاقية التطبيع في مارس 2023.
بشكل عام، يشهد انخراط الدول غير العربية في المنطقة تغيرًا ملحوظًا. ومن الجدير بالذكر أنه مع إقرار إيران وتركيا بحدود نفوذهما، قامتا بتنويع علاقاتهما الخارجية. وبينما تُعيد تركيا توجيه نفسها الآن نحو آسيا الوسطى وجنوب القوقاز، تتقدم إيران بخطى حثيثة نحو الانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) ومجموعة البريكس.
وفي غضون ذلك، عدّلت إسرائيل والسعودية والإمارات تقييماتها الاستراتيجية، لا سيما بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 والانتفاضات العربية، مما قلل من النفوذ غير العربي ومهد الطريق لقيام نظام عربي مركزي. ومن بين الدول العربية، أدى تراجع القوى التقليدية إلى تعزيز مكانة الخليج. وتتماشى هذه التطورات مع صعود القومية العربية في الخليج، وخاصةً في السعودية والإمارات وقطر. حيث تُبرز القومية الجديدة بعض القضايا العربية، مثل القضية الفلسطينية، بينما تُعزز في الوقت نفسه سياسات خارجية طموحة وواثقة تهدف إلى تعزيز الأدوار الإقليمية لدول الخليج. ولا شك أنه في ظل هذه الظروف، تُتيح مشاريع النظام الإقليمي فرصًا كبيرة للقوى الخليجية.
سادسا: عناصر النظام الإقليمي الخليجي:
يمكن تحليل النظام الإقليمي من خلال ثلاثة أبعاد: الأمني، والاقتصادي، والفكريّ. فيما يتعلق بالأمن، هناك تحول من علاقات دولية صفرية المحصلة إلى “التجزئة”. مع تراجع إدراك التهديدات، تُركز الدول على مجالات يُمكنها التعاون فيها مع خصومها السابقين، رغم استمرار الخلافات في مجالات أخرى. وفيما يتعلق بالصراعات في المنطقة، لم يعد الصراع الفلسطيني يُشكّل محور رؤيتها حتى الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحماس في غزة. وعلى النقيض من ذلك، أصبحت الصراعات الناشئة عن الانتفاضات العربية ساحات تنافس بين القوى الإقليمية.
ومع ذلك، فإن الجمود في ليبيا وسوريا واليمن علّم هذه الدول أنه لا يُمكنها فرض حلول أحادية الجانب على نزاعات مُعقدة، متعددة الأطراف، ومتعددة المستويات. في سوريا، على سبيل المثال، اتُخذ قرار بمعالجة القضية من خلال تطبيع العلاقات مع نظام الأسد. وبما أن أي دولة عربية لا تمارس نفوذاً يُذكر في سوريا – وهي قضية إقليمية رئيسية – فإن إعادة قبولها في جامعة الدول العربية في عام 2023م، بعد تعليق دام عقداً من الزمان كان له وزن رمزي، إذ أدخل “مشكلة سوريا” في إطار أكثر إقليمية. ومع ذلك، فإن الجانب الأكثر تحديًا الآن هو احتواء سوريا بعد سقوط نظام الأسد، والتحدي الآخر في منظور الخليج هو إدارة اليمن، حيث تتباين وجهات النظر السعودية والإماراتية بشأن الصراع بشكل كبير. بالإضافة إلى ذلك، يواجه كلاهما تحدي إقامة علاقات مستقرة مع الحوثيين – المنظمة السياسية والعسكرية الإسلامية الشيعية الزيدية التي تسيطر الآن على معظم أنحاء البلاد – ومنع هجماتهم على الشحن الدولي، والتي تهدد المصالح الاقتصادية الخليجية.
يُعد البعد الاقتصادي المحرك الرئيسي لمشروع النظام الخليجي. وكما جادلت الخبيرة الاقتصادية السياسية كارين يونغ، “لقد تبنت دول الخليج العربية، وخاصة السعودية والإمارات، بشكل متزايد نموذجًا قويًا للنمو والاستثمار والتنمية بالشرق الأوسط وبالتالي، ينصب التركيز الاقتصادي للنظام الإقليمي الجديد على فرضيتين:
الأولى، الثروة المالية الهائلة لهذه الدول توفر لها فرصة لممارسة نفوذ إقليمي من خلال القوة الاقتصادية؛ وبشكل متزايد، فإنها تتحول من تقديم المساعدات إلى القيام باستثمارات استراتيجية في دول إقليمية أخرى.
الثانية، يُنظر إلى العلاقات الاقتصادية الآن على أنها أداة لتعزيز الاستقرار والأمن الإقليميين. وهناك منطق واحد قائم وهو دعم الحكومات المجاورة الصديقة لتأمين حلفاء سياسيين والاستثمار في أمنها الغذائي، ومشاريعها العقارية، ومشاريع الطاقة المرتبطة بالدولة، هو منطق استراتيجي”. وفي منتدى مبادرة الاستثمار المستقبلي بالرياض في يوليو 2023م، صرّح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بأنه يتطلع إلى رؤية التحول الاقتصادي في المنطقة خلال العقد المقبل على اعتبار أن التنمية تمثل جزءًا لا يتجزأ من رؤية 2030م. وبالمثل، بدأت والإمارات في تحديد العلاقات الإقليمية على أساس المصالح المشتركة التي ترتكز على التعاون الاقتصادي والتجارة.
فيما يتعلق بالبعد الفكري، وخلافًا للمحاولات السابقة، لا يُركز المشروع الخليجي على الأيديولوجية. بل على العكس، فهو متجذر في العلاقات التبادلية والبراغماتية. حيث إن الأيديولوجيات التي لعبت أدوارًا مهمة في مشاريع النظام الإقليمي السابقة، غائبة – ليس فقط بسبب إخفاقاتها المتصورة، بل أيضًا لأنها تُعتبر تهديدًا لأمن الأنظمة في الخليج. وعلى الرغم من أن بعض الباحثين جادلوا بأن غياب أيديولوجية واضحة يُؤدي إلى “انعدام المعايير” في الإقليمية الخليجية، إلا أن المشروع يرتكز على إطار اقتصادي نيوليبرالي يسعى إلى نشر هذه السياسات إقليميًا، وخاصة من خلال الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي غالبًا ما تأتي مع شروط وتوقعات تُشبه شروط صندوق النقد الدولي لتنفيذ السياسات. بالإضافة إلى ذلك، يقوم النظام الإقليمي الخليجي على التعددية القطبية والتنويع في العلاقات الخارجية، مما يُعزز النهج البراغماتي والتبادلي.
سابعا: العلاقات مع الدول غير العربية والقوى الإقليمية:
يُعد دمج الدول غير العربية عنصرًا أساسيًا في مشروع النظام الإقليمي هذا. حيث تتمحور هذه الرؤية بطبيعتها حول العرب، لكنها تسعى الآن إلى دمج الدول غير العربية بطرق فعّالة. في السابق، كانت الدول غير العربية بمثابة عوامل موازنة بشكل رئيسي. على سبيل المثال، بعد أزمة الخليج 1990/1991، توخّت عملية مدريد للسلام التطبيع مع إسرائيل، ولفترة وجيزة مع إيران في عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني، كجزء من نظام جديد. إلا أن هذه الرؤية استبعدت تركيا، التي كانت آنذاك متورطة في علاقات إشكالية مع سوريا، وهي لاعب عربي رئيسي. وفي الفترة التي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، برز مشروع نظام إقليمي جديد استبعد إيران، وصوّر تركيا كقوة موازنة، وشكّل شراكة ضمنية مع إسرائيل ضد إيران. ومع ذلك، يهدف المشروع الحالي إلى تطبيع العلاقات مع الدول الثلاث غير العربية في آن واحد.
تعتقد دول الخليج، التي شعرت بالتهديد من الانتفاضات والاضطرابات العربية، أنها تغلبت على موجة الإسلام السياسي التي تمثلها جماعة الإخوان المسلمين. كما أنها تتفاوض مع قوى عالمية في مجالات تعتقد أنها تتمتع فيها بنفوذ، مدعومةً بارتفاع عائدات النفط وتغير الديناميكيات العالمية. في الوقت نفسه، تتوق الدول غير العربية إلى التفاعل مع الخليج. فالنظام الإيراني، الذي يُعاني من مشاكل الشرعية الداخلية وتعثر المفاوضات النووية، بحاجة إلى هذا التطبيع. كما تواجه تركيا تحديات اقتصادية وعلاقات متوترة مع حلفائها التقليديين، بينما تسعى إسرائيل إلى مشاركة عربية أوسع، وخاصة مع المملكة العربية السعودية، حتى دون حل القضية الفلسطينية. وهنا يكمن السر في رغبة دول الخليج في إشراك جميع الجهات الفاعلة غير العربية في آنٍ واحد ودمجها في النظام الإقليمي بشروطها الخاصة. وبالنظر إلى المنافسة طويلة الأمد بين الكتلة التي تقودها السعودية وقوى مثل إيران منذ عام 2003 وتركيا منذ عامي 2016/2017، يُمثل هذا تحولًا مهمًا.
في البداية، بدأت والإمارات، ثم السعودية لاحقًا، عملية التطبيع مع تركيا من خلال زيارات رفيعة المستوى وتوقيع العديد من الاتفاقيات في مجالات الدفاع والتجارة والاستثمار، وتلتها خطوات مماثلة مع إيران.
من الجوانب الحاسمة الأخرى لأي مشروع نظام إقليمي دور القوى الإقليمية. فمنذ نهاية الحرب الباردة، هيمنت الولايات المتحدة على عملية صنع النظام في الشرق الأوسط بصفتها القوة العظمى الوحيدة، وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تزايد تصرف الولايات المتحدة بشكل أحادي الجانب، مما أدى إلى نفور بعض شركائها الإقليميين، وفي النهاية ابتعدت عن دورها في صنع النظام. ومنذ إدارة باراك أوباما، ركزت الولايات المتحدة على مصالح محددة مثل تأمين اتفاق نووي مع إيران، أو هزيمة داعش، أو دعم التطبيع الإسرائيلي مع الدول العربية، بدلاً من تطوير نظام إقليمي شامل ذي أبعاد أمنية واقتصادية وفكرية متكاملة. وقد منح هذا التحول المهم، الذي يعود الفضل فيه إلى حد كبير إلى توجه واشنطن نحو آسيا، القوى الإقليمية حرية أكبر في تشكيل نظامها الخاص. علاوة على ذلك، مكّن النفوذ المتزايد للصين وروسيا القوى الإقليمية، وخاصة دول الخليج، من تنويع شراكاتها الدولية. حتى أنه في عام 2020، أصبحت الصين الشريك التجاري الرائد لدول مجلس التعاون الخليجي وأكبر مشترٍ للنفط من المملكة العربية السعودية. وبالمثل، أصبحت روسيا شريكًا مهمًا للمملكة العربية السعودية في إدارة أسعار النفط العالمية منذ عام 2016.
إلى جانب العلاقات الاقتصادية، تتزايد مشاركة الصين وروسيا في المنطقة سياسيًا. وتُبرز وساطة الصين في تطبيع العلاقات بين إيران والسعودية اهتمامها بنزع فتيل التوترات بين شركائها في مجال الطاقة، بينما تُؤكد الحوارات الاستراتيجية الروسية مع دول مجلس التعاون الخليجي – على الرغم من الحرب في أوكرانيا – رغبتها في تعميق التعاون، لا سيما مع المملكة العربية السعودية. وبالتالي، تُركز الرؤية الجديدة لمشروع نظام عربي بقيادة خليجية على تنويع العلاقات العالمية بدلًا من الاعتماد كليًا على الولايات المتحدة في سياسات الأمن والاقتصاد والطاقة.
ثامنا: التحديات التي تواجه النظام الإقليمي الخليجي:
كما هو الحال في المشاريع السابقة، يواجه النظام الخليجي العديد من التحديات. على سبيل المثال، على الرغم من أن السعودية تقود هذا الجهد، إلا أن دول الخليج الأخرى تسعى بحزم إلى تحقيق طموحاتها الإقليمية الخاصة. وقد طفت هذه المنافسة الداخلية مؤخرًا على السطح، ويتجلى ذلك في التنافس بين السعودية والإمارات. بينما تعاونت الدولتان لمواجهة تحديات ما بعد الانتفاضات العربية، برزت خلافاتهما مع تراجع التهديدات المباشرة. ففي الحرب الأهلية اليمنية، دعمت السعودية يمنًا موحدًا، بينما دعمت والإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، حيث تنافس كل منهما على النفوذ. وبالمثل، في الحرب الأهلية السودانية، اشتدت حدة التنافس بينهما عبر الأبعاد الجيوستراتيجية والاقتصادية والدبلوماسية. كما امتدت المنافسة إلى المجالات الاقتصادية، بما في ذلك الجهود المبذولة لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وفي عام 2022 ضمن إطار برنامج المقر الإقليمي، أصدرت السعودية إنذارًا نهائيًا للشركات بنقل مقارها الإقليمية إلى المملكة وإلا ستواجه الاستبعاد من المناقصات العامة. وفي ربيع عام 2023، أعلن صندوق الثروة السيادية السعودي عن إنشاء شركة طيران جديدة لمنافسة شركات الطيران المملوكة للإمارات العربية المتحدة وقطر. وتسود المنافسة أيضًا في سياسة النفط حيث يختلف الجانبان حول حصص الإنتاج والأسعار. وفي نهاية المطاف، رأت السعودية أن نشاط والإمارات في السياسة الخارجية يُشكل تحديًا لقيادتها في مجلس التعاون الخليجي، وهي ديناميكية تُذكرنا بمنافستها السابقة مع قطر.
هذه المنافسة، التي وصفها البعض بالفعل بأنها صدع، تزداد حدته بسبب مشروع النظام الإقليمي الخليجي. وبالتالي، فإن المنافسة لا تقتصر على القيادة داخل الخليج فحسب، بل تشمل أيضًا النفوذ في جميع أنحاء المنطقة الأوسع.
كما أعاد تطبيع قطر ترسيخ الدوحة كلاعب مهم في المنطقة، مدعومًا بعلاقاتها مع تركيا وإيران، وانخراطها الاقتصادي المتزايد مع مصر والأردن، ودورها في التوسط في إطلاق سراح الرهائن والسجناء خلال حرب غزة. حيث تُقوّض هذه التطورات طموحات السعودية للهيمنة داخل الخليج وعلى الصعيد الإقليمي. وبالتالي، فإن أحد العناصر الرئيسية للمشروع الحالي هو التنافس بين أنصاره الرئيسيين، والذي إذا تفاقم أكثر، فقد يُشكّل تحديًا أمام تحقيقه.
على المستوى العالمي، لا يزال مسار علاقات القوى العظمى غامضًا. فقد وضع الغزو الروسي لأوكرانيا، وما تلاه من خلاف مع الغرب دول المنطقة في موقف صعب. ورغم أن تزايد المنافسة بين القوى الفاعلة العالمية يمكن أن يفيد مشروع النظام الخليجي، إلا أن نجاحه سيتعرض للخطر إذا تحول هذا التنافس إلى تكتلات جيوسياسية وسياسات محصلتها صفر، نظرًا لاعتماد المشروع على التجارة والتواصل.
وأخيرًا، وبعيدًا عن التحديات الداخلية والعالمية، فإن التهديدات الأكثر إلحاحًا للنظام الخليجي تأتي من داخل المنطقة نفسها. فقد أعادت التطورات التي حدثت منذ هجوم حماس على إسرائيل تشكيل السياسة الإقليمية بشكل جذري. وقد تم التشكيك في افتراضين رئيسيين يقوم عليهما النظام الخليجي المقترح.
أولًا، دحض التصعيد الإسرائيلي الأخير في أعقاب هجوم حماس فكرة أن القضية الفلسطينية هامشية، مما دفع السعودية إلى تعليق التطبيع مع إسرائيل. كما أدى توسع الصراع ليشمل لبنان واليمن وإيران إلى مزيد من زعزعة استقرار المنطقة.
ثانيًا، ثبت خطأ افتراض حل الأزمة السورية، مما دفع دول الخليج إلى اتخاذ قرار تطبيع العلاقات مع نظام الأسد، حيث أكدت الأحداث الأخيرة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد الدور المهم لتركيا في البلاد والسياسة الإقليمية.
تواجه دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، الآن ضرورة التكيف مع هذه البيئة الاستراتيجية المتطورة. فمن جهة، قد يُتيح ضعف “محور المقاومة” عقب العمليات العسكرية الإسرائيلية وإسقاط نظام الأسد في سوريا فرصًا جديدة لنظام خليجي – وهو مشروع قد تدعمه إدارة ترامب – ومن جهة أخرى، تُشكل الهيمنة المستمرة للقوة العسكرية في السياسة الإقليمية، وصعود النفوذ الإسرائيلي، وعودة ظهور تركيا تحديات جديدة.
الهوامش والمراجع بملف الـpdf