الرئيسية » الدراسات » البرجماتية التقدمية وتوجيه السياسة الخارجية للمملكة المتحدة

البرجماتية التقدمية وتوجيه السياسة الخارجية للمملكة المتحدة

الكاتب:

أولًا، قد تصبح البرجماتية/ الواقعية مُقيِّدة؛ لدرجة تُفوِّت فرصًا تقدمية لتعزيز الديمقراطية. أي أنها تفقد ميزتها التقدمية، بالمبالغة في التأكيد على الحاجة إلى علاقات مستقرة مع أنظمة استبدادية متزايدة القوة.
ثانيًا، أن من يرى أن البرجماتية/ الواقعية وسيلةً لتحقيق، أو كبح، غايات تقدمية فإنه يُخاطر بتبني موقف غير ديمقراطي، ويزعم أن هذه الغايات مُقدَّمة (لدى القوى الغربية) وخارج نطاق الحوار (متعدد الأطراف). وهذا ما يعد مخاطرة مكشوفٌة من خلال الانتقادات القديمة لما بعد الاستعمار، التي تُفيد بأن التقدمية ليست أكثر من مجرد تجديد للإمبريالية الغربية.
وبناء عليه فإننا نقول بأنه لا ينبغي، ولا داعي، لخلط البرجماتية بالواقعية، وعندما يتم الجمع بين البرجماتية، فإنه ينبه صناع السياسات التقدميين إلى هذين الخطرين. وللإثبات، نطرح تعريفًا للبرجماتية منفصلًا عن الواقعية. اعتمادا على البرجماتية الفلسفية، التي ظهرت في الولايات المتحدة، أواخر القرن التاسع عشر. وتبدو بعيدة كل البعد عن اهتمامات السياسة الخارجية للمملكة المتحدة في القرن الحادي والعشرين، على الرغم من أنها أثّرت مؤخرًا على نظرية العلاقات الدولية البريطانية.
وهو تعريف مهم لجمهور السياسة الخارجية، لأنه يساعد على فهم أن البرجماتية ليست مجرد بيان حول الوسائل لتحقيق غايات ثابتة، بل هي بيان حول تكوين تلك الغايات. إذ تأخذ البرجماتية الفلسفية على محمل الجد الادعاء بأننا نعيش في مجتمع عالمي متنوع ثقافيًا، ولكنه في تطور مستمر. وهو أمر يتطلب درجة من قابلية الخطأ المعرفي. وبالتالي لا ينبغي للثقافات الخاصة أن تفترض أنها تعرف النهاية المثالية للتاريخ؛ نظرا لأنه لا يمكن لها أن تحظى بسلطة معرفية إلا إذا انبثقت من حوار شامل وديموقراطي.
وعلى عكس الواقعيين، الذين يعتبرون التعددية الثقافية والسياسية أمرًا ثابتًا، وأن غايات السياسة الخارجية يجب أن تكون محافظة – أي مقتصرة على تعزيز المصلحة الوطنية في سياق النظام الدولي – يرى البرجماتيون إمكانات أكبر للتقدم، مبنية على ترتيبات مرنة للحوار الديمقراطي بين مجموعة متنوعة من المجتمعات المحلية والوطنية والدولية، مما يساعد على صنع قرار عالمي شامل مشبع بأخلاقيات ديمقراطية. وبهذا تحمي البرجماتية السياسيين التقدميين من المخاطر المرتبطة بوصف الواقعيين؛ لأنها بحد ذاتها فكرة تقدمية.
وتتوزع هذه الورقة على أربعة محاور هي:
أولاً: البرجماتية والواقعية في خطاب السياسة الخارجية:
تُعد البرجماتية في الخطاب اليومي للسياسة الخارجية مرادفةً للواقعية. وأن تكون برجماتيًا يعني قبول العالم كما هو والتنازل عن رؤية العالم كما تتمناه. وهكذا، عرّف وزير الخارجية البريطاني الأسبق، «لورد كارينجتون» (Lord Carrington) نفسه بالبرجماتي؛ لأنه وجد أن الفجوة بين ما هو مرغوب نظريًا، وما هو ممكن عمليًا واسعة جدًا، لدرجة أنه من المنطقي التركيز شبه الحصري على ما هو ممكن. وغالبًا ما يُمثَل “المرغوب نظريًا” في ثنائيات مثالية/ واقعية؛ فالقيم التي يمكن تحقيقها واقعيًا داخل الدولة – مثل الحكم بسيادة القانون والعدالة عند انتهاكها – تُرفض باعتبارها مثالية وخارج نطاق السياسة الخارجية. فعلى سبيل المثال، دعا وزير خارجية سابق آخر من المحافظين، «لورد هاو» (Lord Howe) إلى البرجماتية لأن “السياسة الخارجية غالبًا ما تكون غير قابلة للعدالة. وحتى لو كانت كذلك، فإن العدالة غير قابلة للتنفيذ.
أما عندما تُستخدم البرجماتية مرادفة للأداة، فإن هذا النوع من الثنائية المثالية/ الواقعية يُدمج أيضًا مع ثنائية أخرى هي القيم/ المصالح. فإذا عجزنا عن الدفاع عن قيم مثل كالعدالة والديمقراطية وتعزيزها في السياسة الخارجية، فإن الحل العملي الوحيد هو تعزيز المصلحة الوطنية. وبهذا، يُقارن “السعي البرجماتي للمصلحة الوطنية” بأهداف أخرى أكثر طموحًا، مثل “الحفاظ على نظام دولي”.
وتتوافق هذه المشاعر مع الواقعية كتقليد فكري في العلاقات الدولية، بتركيزها على بقاء الدول، بغض النظر عن تركيبها الداخلي، في مجتمع دولي متنوع أخلاقيًا وسياسيًا. بدءًا من نقد «جورج كينان» (George Kennan) اللاذع لويلسونية الحرب العالمية الأولى، وصولًا إلى كتابات «جون ميرشايمر» (John Mearsheimer) الأحدث عن “أوهام” “الحالمين” الليبراليين، هاجم الواقعيون السياسات بناءً على ما يرونه التزامًا في غير محله بالمُثُل العليا.
وتتمثل الحجة الرئيسية في أن البرجماتية الفلسفية تقودنا إلى تحدي هذه الثنائيات، وخاصة تعريفات البرجماتية التي تراها مناقضة للتأثير “الأيديولوجي” للديمقراطية على السياسة الخارجية. نقدم ثلاث نقاط لدعم هذه الحجة. أولاً، وعلى أبسط مستوياتها، ترفض البرجماتية المستنيرة فلسفياً أي سياسة خارجية قائمة على الواقعية الفلسفية – وهي الحجة المحافظة القائلة بأنه لا ينبغي أن نسعى إلى التقدم في العلاقات الدولية لأن المأساة حقيقة ثابتة في الحياة الدولية فقد نشأت البرجماتية الفلسفية لـ«جون ديوي» (John Dewey) من وجهة النظر الداروينية القائلة بأن الأشياء التي نراها أمامنا، والمواقف التي نجد أنفسنا فيها، قد تطورت لتكون على هذا النحو. بمعنى آخر، يعمل البرجماتيون بعلم وجود “إجرائي” بدلاً من علم وجود ثابت.وبهذا المعنى، فإن التمسك بمفاهيم ثابتة للعلاقات الدولية والإمكانية السياسية أمر غير واقعي. والواقع أن القيام بذلك يشير إلى محافظة أيديولوجية (وليس برجماتية).
بالطبع، سيرفض العديد من الواقعيين محاولات تصويرهم على أنهم أيديولوجيون (وقد أقرّ واقعيون سابقون مثل «هانز مورغنثاو» (Hans Morgenthau) بأن نظام الدولة ليس أبديًا) ومع ذلك، فإن الميل المحافظ قد يدفع السياسيين الواقعيين إلى تفويت اللحظة التقدمية – كما فعل «هنري كيسنجر» (Henry Kissinger) مع دبلوماسية حقوق الإنسان في سبعينيات القرن الماضي
 إن المنظور البرجماتي، الحساس للعمليات الاجتماعية التي تُبنى من خلالها الهويات والمصالح والمواقف، هو الأقدر على تحديد نطاق التغيير التقدمي. وقد عبّر «سيدني هوك» (Sidney Hook) عن هذا عندما انتقد “بطولة” الواقعي الظاهرة التي يتخذ قرارًا صعبًا بالتنازل عن قيمه المفضلة؛ بسبب الضرورة التي أوجدتها اللحظة المأساوية. وعلى عكس الواقعية، يمكن أن تكون البرجماتية أكثر جدية، بل وأكثر بطولية لأنه لا يستسلم لحقيقة المأساة المجردة، ولا يملك طرقاً سهلة على حساب الحقيقة.. خاصة أنه لا ينظر إلى المأساة على أنها قدر محتوم، بل قصة تعتمد علينا إلى حدٍّ ما، فنصبح نحن صانعي تاريخنا المأساوي وبالتالي لا يمكننا إذن أن نلقي بالنتيجة المأساوية على الكون، كما نفعل مع الكوارث الطبيعية.
ونجادل بأن هذا مهمٌّ للوقاية من التداعيات المحافظة لربط الواقعية بالتقدمية. حيث سوف يقاوم البرجماتيون استحضار السياسيين للواقعية، سواءً كان ذلك خطأً أو استغلالاً، كسببٍ لعدم قدرتهم على دعم القيم الديمقراطية على المستويات المحلية والوطنية والدولية والعالمية.
الطريقة الثانية التي ترفض بها البرجماتية الفلسفية استخدامها مرادفا للواقعية هي التزامها بالديمقراطية كوسيلة لحل المشكلات. وكما أشرنا، فمن الشائع في خطاب السياسة الخارجية تحديد الديمقراطية كغاية تسعى إليها المجتمعات الليبرالية الغربية. ونتيجة لذلك، يخبرنا الواقعيون عمومًا أنه في عالم تعددي سياسيًا وثقافيًا، فإن هذه الغاية بعيدة المنال؛ أو على الأقل، فإن سعيها عادةً ما يأتي بنتائج عكسية تزيد الأمور سوءًا. نظرا لأن البرجماتية حساسة للتعددية الثقافية والسياسية. وبما أن العمليات الاجتماعية التي تبني الأخلاق السياسية محدودة، فلا يمكننا افتراض وجهة نظر «أرخميدس» (Archimedes) للموضوعية الأخلاقية، ولا ينبغي للفلسفة الأخلاقية أن تضيع وقتها في البحث عنها. ولكن يجب على الفلاسفة أن يكونوا منخرطين في تحسين التجارب المعيشية (بدلاً من وضع معايير مجردة) فهم يفعلون ذلك من خلال حل المشكلات والنقد الجوهري للممارسات القائمة. وهنا تحتفظ الديمقراطية بأهميتها. حيث إن الديمقراطية تُقدَّر باعتبارها أسلوباً عملياً لكشف المشاكل وحلها، وليس باعتبارها أيديولوجية أو هوية مجردة لتأكيد التسلسل الهرمي الأخلاقي على حساب الآخر.
ويؤثر هذا على خطاب السياسة الخارجية لأنه يُدخل مفهومًا لا مركزيًا للديمقراطية. ويُركز النقد الواقعي المعروف لالتزام الليبراليين الدوليين بـ “تعزيز الديمقراطية” على الديمقراطية كسمة داخلية لبعض الدول (الغربية أو المُتغربة). ويُقدّر البرجماتيون الممارسات الديمقراطية على هذا المستوى. ومع ذلك، يُدركون أن السياسة الخارجية التي تهدف إلى دمقرطة الدول الأخرى صعبة؛ لأن القومية، كما يقول «ميرشايمر» “أيديولوجية سياسية بالغة القوة”. فعندما يواجه الليبراليون هذه الأيديولوجية، فإن نواياهم الطيبة تأتي بنتائج عكسية. ولا يعني ذلك أن الممارسات الديمقراطية غير ذات صلة بالسياسة الخارجية. فعندما تكون القومية مؤثرة بقوة. لا تزال الروح الديمقراطية قيّمة كمنهج يُساعد على كشف وحل المشكلات التي تظهر في العلاقات بين الدول.
وهكذا، يشاطر البرجماتيون الواقعيين قلقهم من صياغة أخلاقيات السياسة الخارجية ضمن التعددية الثقافية والسياسية، لكنهم يجادلون أيضًا بأن ذلك يجب أن يتم أولًا من خلال تبني حس ديمقراطي للخطأ والتأمل، ثم الالتزام بعملية المداولة. أي أن على الدول – بما في ذلك الدول الغربية – أن تتقبل خصوصية موقفها الأيديولوجي المفضل، وألا تفترض أنها وحدها تعرف أفضل السبل لإدارة مشاكل العالم. ولا داعي لإخفاء موقفها المفضل، بل يجب عليها “اختبار” إمكاناته في حل المشكلات من خلال حوار شمولي، يهدف إلى تحديد وحل مشاكل ما أسماه «ديوي» العيش المشترك. وهنا يُعد الاستعداد للتسوية (برجماتيًا) أمرًا أساسيًا للعملية الشاملة والمداولة (أي الديمقراطية) لحل المشكلات العالمية. وبالتالي، فإن البرجماتية جزء لا يتجزأ من الممارسة الديمقراطية وليست بديلًا عنها.
يُطلق خطاب السياسة الخارجية عادةً على هذه العملية اسم “التعددية”. لكن بالنسبة للبرجماتي، لن تكون التعددية بالضرورة تقدمية إذا تعاملت معها الدول بواقعية تُعلي من شأن مفهوم إقصائي للمصلحة الوطنية على مفهوم يُسهم في حل المشكلات الجماعية. ولا تُحقق التعددية الهدف التقدمي المتمثل في تحديد مشكلات العيش المشترك وحلها إلا إذا استطاعت حشد الإرادة السياسية. وتُعظّم هذه الإمكانية من خلال كونها شاملة (أي ديمقراطية) بحيث تشعر الدول والشعوب المتضررة (الجمهور وفقًا لنظرية ديوي) بأنها جزء من الحل. وقد بدأ الليبراليون يُدركون هذا، بالإضافة إلى الحاجة اللاحقة لإصلاح التسلسلات الهرمية الإقصائية غير المبررة للنظام الدولي الذي يقوده الغرب، مُستشهدين بنموذج ديوي للديمقراطية لدعم هذه الحجة.
إن الرغبة في المشاركة العملية في نتائج التعددية التداولية وقبولها تتوافق مع التفكير الحديث في دوائر السياسة الخارجية التقدمية. لذا لابد من الحذر بشأن تسمية “الواقعي التقدمي” للأسباب المذكورة أعلاه. ومع ذلك، فإن القراءة التقدمية لـ«نيك بيزلي» (Nick Paisley) وزملائه لواقعية «إدوارد هاليت كار» (E. H. Carr) التي تتداخل نسبيا مع ما نسميه البرجماتية التقدمية. في حين أن «بيزلي» وزملائه يقللون من أهمية الديمقراطية كممارسة تداولية بين الدول، فإن تركيزهم على منطق إعادة التوزيع والتطلع التقدمي إلى “نظام عالمي أكثر مساواة وديمقراطية واستدامة بيئيًا” يتوافق مع البرجماتية الفلسفية.
وبالمثل، فإن مناقشة «جوناثان جيلمور» (Jonathan Gilmore) الأخيرة للسياسة الخارجية التقدمية تسعى إلى الابتعاد عن “أولوية المجتمعات الوطنية الإقصائية والمقسمة بدقة”، والتي يكون تأثيرها هو تجاهل الديمقراطية على مستوى الدول. وينصب تركيزها على سياسة خارجية قائمة على “الإنتاج المشترك” بين الدول والجهات الفاعلة غير الحكومية و”الجمهور” الأوسع، وهو ما يتماشى مع رغبة البرجماتية الفلسفية في الشمولية في الحوكمة العالمية.
ثانياً: البرجماتية التقدمية: مخاطر وفوائد:
يؤدي هذا إلى مسار ثالث، يُحذّر فيه البرجماتي الفلسفي من الخلط بين التقدمية والواقعية. ومن الواضح أن تركيز البرجماتي على الحلول العملية للمشكلات ينسجم مع استخدام مصطلح “البرجماتية ” في خطاب السياسة الخارجية اليومي. بل إنه يتوافق مع النقد الواقعي لدور القناعة الأيديولوجية في العلاقات الدولية. ويرى الواقعي أنه من الأفضل للعلاقات الدولية أن تضع الدول خلافاتها الأيديولوجية جانبًا وتركز على إيجاد حلول عملية للمشاكل الفعلية.
ومع ذلك، فمن المهم الإقرار في هذه المرحلة بالمعضلة المألوفة في الفكر التقدمي للسياسة الخارجية والتي تُشكّل تحديًا للبرجماتيين، أيضًا: كيفية التعامل مع الأنظمة الاستبدادية التي تنتهج سياسات قمعية في الداخل، ولكنها مع ذلك تُمثِل، على الأقل من الناحية القانونية الرسمية، وتحشد، من الناحية السياسية قطاعات كبيرة من البشر. أليس إضفاء الشرعية على هذه الأنظمة من خلال الاعتراف بمكانتها في المحافل متعددة الأطراف و(إعادة) توزيع السلطة لصالحها مناهضا للديمقراطية؟ حيث تتجلى التناقضات التي تشير إليها هذه الأسئلة، وعلى سبيل المثال، في النتائج السلبية لانتخابات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والتي غالبًا ما تشهد انتخاب أنظمة متهمة بانتهاكات حقوق الإنسان في مناصب مصممة لمحاسبة منتهكيها. ألا تقتضي الديمقراطية حرمان هذه الأنظمة من الاعتراف الاجتماعي والشرعية التي تكتسبها من الممارسات متعددة الأطراف من خلال استبعادها من المنظمات الدولية؟ هل المقترحات القائمة على “فكرة عصبة الديمقراطيات” أكثر تقدمية؟
يدرك التقدميين البرجماتيين هذا التحدي. وفي الوقت نفسه، يرون أن الرغبة في تطهير الترتيبات الدولية من النفاق أمر غير عملي. ففي الواقع، يمكن لهذه الترتيبات أن تكشف النفاق بطرق تحشد السلوك الانعكاسي والإصلاحي. علاوة على ذلك، فإن النهج الملتزم بالعمل مع الديمقراطيات المتشابهة في التفكير فقط قد يكون كارثيًا. حيث إن نبذ الأنظمة الاستبدادية لا يحسن دائمًا حياة الناس العاديين في الدول الاستبدادية، وعلاوة على ذلك لا يمكن للديمقراطيات الليبرالية وحدها حل المشكلات العالمية. كما إن إعادة بناء الكتل الأيديولوجية تُخاطر بإحياء التسلسلات الهرمية الحضارية، مما قد يثير ردود فعل قومية واستبدادية ضد الأجندات التقدمية.
وبالتالي، تركز الروح البرجماتية على الطرق العملية لتعزيز القيم التقدمية حتى لو أدت إلى مواقف تبدو متهاونة ونتائج دون المستوى الأمثل. وفي هذا الصدد، تتوافق النزعة التقدمية للفلسفة البرجماتية مع الأخلاقيات غير المثالية والمهمة التي لا تنتهي أبدًا المتمثلة في إيجاد حلول عملية لمشاكل متعددة.
هناك خطرٌ في هذه الحجة، بالطبع. فإذا ما استسلم البرجماتي، بدلًا من تقبّل الحاجة إلى دبلوماسية إبداعية، لفساد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أو “واقع” وجود مجال نفوذ روسي في شرق أوكرانيا، أو استمرار وقوع الجرائم ضد الإنسانية، وفعل ذلك لأنه يقبل “ببساطة هكذا هو العالم”، فعندها لا يتوقف موقفه عن كونه تقدميًا فحسب، بل يتوقف أيضًا عن كونه برجماتيًا. عند هذه النقطة، يصبح البرجماتي واقعيًا. ولا يمكن الادعاء أن البرجماتية التقدمية هي أخلاقيات مريحة، ولا أن التقدم نحو عالم أفضل خطي. لكن أخلاقيات البرجماتية التقدمية غير المثالية ترى في الوضع غير المريح سببًا للتأمل بدلًا من الاستسلام. إنها ترى الحاجة إلى إعادة تصور المشكلة وإعادة التفكير في الاستراتيجية.
وعلى سبيل المثال، أحد أسباب النتائج غير السليمة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هو أن حقوق الإنسان (كممارسة وليست غاية أخلاقية) يُنظر إليها على أنها أقل فائدة في تحسين التجارب المعيشية في العالم النامي من النموذج الصيني للمساعدات الإنمائية.
ومن المؤكد أن مثل هذه الحجة ستدفع البرجماتيين التقدميين في المملكة المتحدة وأماكن أخرى إلى التفكير في حكمة خفض برامج المساعدات الدولية مع الدعوة في الوقت نفسه إلى حقوق الإنسان. وكجزء من هذا التأمل الذاتي، يحتاج صانعو السياسات إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على العملية التداولية، والتي تنطوي على إشراك الجهات الفاعلة غير الحكومية وكذلك الجهات الحكومية. والأمر المشجع في التحول الأخير إلى البرجماتية /الواقعية في السياسة الخارجية البريطانية هو أنها أظهرت بوادر تحركات في هذا الاتجاه بالذات. فقد أقر وزير الخارجية البريطاني السابق «جيمس كليفرلي» (James Cleverly) بأن «صوت الفقراء لا يُسمع دائمًا. حتى في الأمور التي تهمهم مباشرة «وبالمثل، جادل «لامي» بأن على المملكة المتحدة أن «تستعيد مكانتها الرائدة في مجال التنمية» من خلال بناء «شراكات طويلة الأمد مربحة للجميع» قائمة على التجارة «بدلاً من اتباع نموذج عتيق من الرعاية» القائمة على المساعدات.
ومع ذلك، فإن النقطة الرئيسية هنا هي أن البرجماتية أقل ميلاً من الواقعية للتخلي عن الالتزام التقدمي بالديمقراطية. ويرجع ذلك، كما ذُكر آنفاً، إلى أنه بينما يرى الواقعيون الديمقراطية قيمة أخلاقية داخلية للدول، ينظر البرجماتيون إلى الممارسات الديمقراطية كأشكال فعالة لحل المشكلات لا تقتصر على حدود الدولة. التي قد تتطلب مواقف محددة إلى اتخاذ “خيارات غير عادلة”. ولكن في هذا السياق، سيلتزم البرجماتيون بـ”تربيع الدائرة” بشكل إبداعي لتعزيز الديمقراطية على جميع مستويات التفاعل الإنساني.
وقبل توضيح هذه الاختلافات بين البرجماتية التقدمية والواقعية التقدمية من خلال “حالتين حاسمتين” للسياسة الخارجية البريطانية، يجدر تلخيص النقاط الثلاث التي طُرحت في الجزء الأول من المقال.
أولًا، ترفض البرجماتية الفلسفية السياسة الخارجية القائمة على الواقعية الفلسفية، أو الحجة المحافظة القائلة بأنه لا ينبغي السعي لتحقيق التقدم في العلاقات الدولية؛ لأن المأساة حقيقة ثابتة في الحياة الدولية. ويربط «لامي» بين الواقعية والتقدمية، رافضا بوضوح تداعياتها المحافظة. ومع ذلك، نجادل بأن البرجماتية توفر أساسًا أفضل للسياسة الخارجية التقدمية، كونها تستند إلى الواقع التجريبي، لكنها ترى هذا الواقع في حالة تغير مستمر، وبالتالي فهي منفتحة على التغيير الإيجابي. هذا الانفتاح على التغيير هو ما يجعلها مقاومةً للمحافظة غير الضرورية
ثانيًا، تُعد البرجماتية تقدمية لأنها ترى في الممارسات الديمقراطية وسيلةً لحل المشكلات الناشئة عن العيش المشترك على جميع مستويات التفاعل الاجتماعي. وفي هذا الصدد، تظل تقدمية مع مشاركتها رفض الواقعية للأخلاقية. ومرة ​​أخرى، يبدو أن واقعية «لامي» ترفض الأخلاقية؛ فهي مستعدة لإشراك الأنظمة الاستبدادية في العمليات متعددة الأطراف لحل المشكلات العالمية. ومع ذلك، تجادل هذه الورقة بأن السياسة الخارجية البريطانية أكثر وعيًا بفوائد التعددية التأملية والشمولية والتداولية (أي الديمقراطية) من حلال الجمع بين التقدمية والبرجماتية، ستكون وهذا يحمي من الواقعية المحافظة التي تُشرعن التسلسلات الهرمية الدولية غير المبررة.
ثالثًا، يُطبّق الالتزام البرجماتي بالممارسة الديمقراطية على جميع مستويات التفاعل الإنساني. حيث إن إضفاء الطابع الديمقراطي على المنتديات متعددة الأطراف، من خلال إشراك الدول المهمّشة (بما فيها غير الديمقراطية) يُساعد على حشد التضامن الدولي في مواجهة المشاكل العالمية، إلا أن هذا قد يُقصي في حد ذاته جماهير لا يُمثّلها نظام الدول. حيث إن اقتران هذا النوع من التقدمية بالبرجماتية يُمكن السياسة الخارجية البريطانية من حماية نفسها من نهج الواقعية المُركّز على الدولة (والنخبوي) في حل المشاكل متعددة الأطراف. ولتوضيح كيف تُساعد هذه النقاط الثلاث، التي تسمى براغماتية تقدمية، في توجيه السياسة الخارجية البريطانية، نُطبّقها على حالتين صعبتين: الاستجابة للغزو الروسي لأوكرانيا، والحوكمة العالمية في مواجهة تغيّر المناخ.
ثالثاً: البرجماتية التقدمية وقضية “إدارة الصراع الروسي الأوكراني”:
أدى الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022م، الذي أعقب التدخل العسكري في عام 2014م، وسنوات من التخريب، إلى أزمات إنسانية واقتصادية وطاقية، وانتهاك السيادة، وتهديد الأمن الأوروبي، وإثارة أعمال إبادة جماعية مزعومة وفظائع ضد المدنيين، وزاد من خطر الحرب النووية مع تهديدات منتظمة بالانتقام النووي. حيث كانت المعايير التقدمية المهمة على المحك مثل تقرير المصير الوطني والديمقراطية والقانون الدولي والسلام وحقوق الإنسان.
وقد كان هذا اختبارًا رئيسيًا للسياسة الخارجية البريطانية، وفي هذه الحالة كانت استجابة المملكة المتحدة متسقة مع البرجماتية التقدمية، مع بعض المحاذير عند التفكير في الطريقة التي يُدار بها الصراع وكيف سيتم إنهاؤه، لأن هذه اعتبارات سيكون لها تأثير على قوة واستدامة السلام في المستقبل.
وللتذكير، مهدت المملكة المتحدة الطريق لدعم الدفاع عن النفس الأوكراني، منذ 2015م، عبر عملية أوربيتال، التي وفرت التدريب لأكثر من 22000 جندي. وبما أن الصورة الاستخباراتية الناشئة في 2021/ 2022م، أشارت إلى أن روسيا تنوي التدخل، فقد سعى صانعو السياسات في المملكة المتحدة والولايات المتحدة إلى ردع روسيا من خلال الانخراط في الرد المسبق؛ إصدار معلومات استخباراتية عن خطط روسيا، وتقويض جهود التضليل الروسية، والإخطار بعواقب الغزو
وبمجرد بدء التدخل في 24 فبراير 2022م، كانت المملكة المتحدة في طليعة تزويد أوكرانيا بوسائل دفاعها. فقدمت 5000 سلاح خفيف مضاد للدبابات، وهو أمر حيوي في صد الهجوم الأولي. وكانت المملكة المتحدة أول دولة تلتزم بتزويد أوكرانيا بالدبابات القتالية الرئيسية، كذلك وعدت بتقديم 14 دبابة من طراز «تشالنجر 2» في 14 يناير 2023م؛ مما دفع ألمانيا والولايات المتحدة إلى تقديم مساهماتهم الخاصة. وتعهدت في مايو 2023م، بإرسال صواريخ كروز من طراز «ستورم شادو» إلى أوكرانيا، مما مكّن من شن هجمات ناجحة في كثير من الأحيان على أهداف استراتيجية مثل أسطول البحر الأسود وجسر «كيرتش» ومراكز القيادة على مختلف الجبهات. في غضون ذلك، دربت المملكة المتحدة 50 ألف جندي أوكراني بين يونيو 2022م، ونوفمبر 2023م، في إطار عملية إنترفلكس بقيادة المملكة المتحدة.
إن تقديم هذا المستوى من المساعدة كان، متسقًا مع السياسة الخارجية البرجماتية التقدمية. حيث إن الدفاع عن حق أوكرانيا في تقرير المصير والديمقراطية أهداف تقدمية – شريطة أن تعكس رغبات الشعب الأوكراني. حتى وإن لم يكن من المؤكد قبل الغزو أن أوكرانيا سيكون لديها الإرادة للمقاومة، لكن العمل الأساسي مثل عملية أوربيتال وفر الوسائل. وبمجرد أن أظهر سكان أوكرانيا هذه الإرادة، كان من المنطقي أن تفي المملكة المتحدة بالتزاماتها بموجب مذكرة بودابست (1994م) وتساعد حكومتها.
وهنا أصبح السؤال هو كيف نفعل ذلك دون المخاطرة بتصعيد العنف أفقيًا (إلى أجزاء أخرى من أوروبا، وخاصة أعضاء الناتو) وعموديًا (لاستخدام الأسلحة النووية) كان الدعم المتزايد تدريجيًا استراتيجية منطقية لاختبار ردود الفعل الروسية وإدارة هذا الخطر – بما يتماشى مع النهج التجريبي للبراغماتية. حيث كان خطر التصعيد حقيقيًا، وهنا تداخل الاهتمام البرجماتي بإدارة عواقب القوة مع أخلاقيات الحكمة الواقعية. وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أصدر تهديدات نووية قبل فبراير 2022م، وفي سبتمبر أشار إلى أن روسيا ستستخدم “كل ما في وسعها” للدفاع عن الأراضي المحتلة. وبالتالي، كان هناك خطر تصعيد نووي غير هين، وكان لا بد من أخذه في الاعتبار عند رد المملكة المتحدة. وقد كانت سياسة المملكة المتحدة حكيمة، إذ سلكت مسارًا برجماتيا بين طرفي المواجهة المباشرة مع روسيا أو القبول بالعدوان. وبذلك، حافظت أيضًا على دعم شعبي واسع في الداخل.
لم يكن الأمر حتميًا. فقد دعت أصوات بارزة إلى تبني مسارات مختلفة. منها «توبياس إلوود» (Tobias Elwood) رئيس لجنة الدفاع في مجلس العموم، حلف الناتون الذي دعا، عشية الغزو الروسي إلى فرض منطقة حظر جوي دعمًا للعمل الدفاعي الأوكراني. واستشهد بالدفاع عن دولة ذات سيادة بموجب القانون الدولي ومسؤولية حماية المدنيين من الجرائم الفظيعة كمبررين لاتخاذ مثل هذا الإجراء.
وعلى الرغم من أن أهداف هذه السياسة يمكن اعتبارها تقدمية (الدفاع عن حق تقرير المصير الأوكراني والقانون الدولي، إضافة إلى القيم الديمقراطية والإنسانية) إلا أن مناطق حظر الطيران تتطلب عمليًا إزالة دفاعات الصواريخ أرض-جو، وفرض هيمنة جوية، ومراقبة مستمرة للمجال الجوي. وبالتالي، كان من المرجح أن ينطوي ذلك على مواجهة مباشرة بين القوات البريطانية والروسية (مع ما يصاحب ذلك من مخاطر نشوب حرب بين القوى النووية). لهذا السبب، يعتبر البرجماتيين هذا مسار عمل غير حكيم.
وتبدو الحجة القائلة بأن المملكة المتحدة وحلف الناتو يجب أن يقتربا خطوة واحدة من التبادل النووي مع روسيا باسم التدخل الإنساني غريبة. ومع ذلك، فإننا نقبل أن أولئك الذين يسعون إلى الدفاع عن الديمقراطية في أوكرانيا قد يختلفون مع ادعائهم أنهم برجماتيون. والقضية هي خلاف على التجارب وليس على الأخلاق. وقد يمارس كلا الجانبين الحكم في السياق، وربما اعتقد البعض أن التبادلات العسكرية المباشرة بين الناتو وروسيا لن تخاطر بالتصعيد إلى المستوى النووي. فهناك مجال داخل الأخلاق المشتركة للاختلاف في المسائل التجريبية والحكم السياسي، كما أن البرجماتيين الفلاسفة الأوائل الذين دخلوا في نقاش عام حول استخدام القوة قد توصلوا إلى مواقف مختلفة.
 ومع ذلك، نود أن نضيف أن ما يجعل التقدمي برجماتيًا (وليس أيديولوجيًا) هو التصميم على فحص الاستعدادات – مثل العسكرية أو التدخلية الليبرالية – التي يجلبونها إلى العملية التداولية لتقييم العواقب. إن ما أسماه ديوي Dewey) التأمل الضميري يساعد صناع القرار على تجنب التأثر بشكل غير ملائم بالعادات أو المشاعر أو المعايير أو الروايات غير المناسبة، ويسهل المداولة من أجل المصلحة العامة. وبهذا المعنى، فإن البرجماتية التقدمية تمنع النقد الواقعي القائل بأن السياسة الخارجية التقدمية تندمج حتماً في الأممية الليبرالية.
وهنا، يتماشى الموقف التقدمي البرجماتي مع الواقعية التقدمية للامي الذي يرفض صراحةً “التدخلية الليبرالية”، بينما يجادل بأن “المملكة المتحدة يجب أن تستمر في دعم أوكرانيا”. ومع ذلك، يمكن للواقعية أن تدفع السياسة الخارجية البريطانية في اتجاه مختلف. وبالنسبة للأصوات الواقعية المعروفة مثل «ميرشايمر» فإن “جذر المشكلة” لم يكن الإمبريالية الروسية بقدر ما كان “استراتيجية [غربية] أوسع نطاقًا لإخراج أوكرانيا من فلك روسيا ودمجها في الغرب”.
 ومن هذا المنظور، تكررت الأخطاء المزعومة التي ارتُكبت قبل عام 2014 – بما في ذلك دعم الغرب للحركة المؤيدة للديمقراطية في أوكرانيا – قبل عام 2022م، ويُستشهد بزيادة التعاون العسكري بين الغرب وأوكرانيا، وإعادة التزام حلف شمال الأطلسي (الناتو) في يونيو 2021م، بإعلان بوخارست لعام 2008م، الذي نص على أن أوكرانيا ستصبح عضوًا في الحلف، على أنها تحريضات غربية. وبما أن روسيا سوف تكون دائماً أكثر التزاماً بهذه القضية، وأكثر قدرة على استخدام القوة في جوارها مقارنة بالقوى الخارجية، فينبغي للقوى الغربية أن تقبل بمجال النفوذ الروسي ــ أو هكذا تقول الحجة.
على الرغم من بعض التوصيفات، فإن واقعية «ميرشايمر» تُعنى بالآخر. فهو يُجادل بأن الحرب كانت كارثةً مُطلقةً على الأوكرانيين. أن مصيرهم، وهو إما أن يُعانوا من الحرب أو أن يعيشوا بسلام تحت الهيمنة الروسية، هذا مثالٌ على ما يُطلق عليه «ستيفن والت» (Stephen Walt) الأهمية الدائمة للواقعية المأساوية. ومع ذلك، فإن هذا النوع من الواقعية يتعارض جوهريًا مع التعريف المُكوّن من ثلاث نقاط للبرجماتية التقدمية:
أولًا، إن الإيحاء بضرورة قبول المرء لمجال النفوذ الروسي كحقيقةٍ من حقائق الحياة يُقيّد بلا داعٍ خيارات السياسة التي كانت (ولا تزال) مُتاحة للدفاع عن حق تقرير المصير والديمقراطية الأوكرانية.
 ثانيًا، يميل هذا التعريف المُحدد للواقعية (الجديدة) إلى فرض لغةٍ مُجردة (مثل “المدار”) بطرقٍ تُسكت التجربة المُعاشة لـ”الجماهير” مثل الشعب الأوكراني، الذي هو بالضرورة جزءٌ من أي حلٍّ لمشاكل انعدام الأمن الأوروبي. في هذا الصدد، فإن “السلام” الذي يقترحه هذا النوع من الواقعية ليس ديمقراطيًا (بل هو في الواقع نخبوي) ولا مستقرًا. كما أنه ليس واقعيًا بالمعنى العملي، لأنه يتجاهل العواقب السلبية لسلام القوى العظمى الذي يكافئ العدوان بينما ينكر حق تقرير المصير. ومن المؤكد أن لا شيء في الروح البرجماتية التقدمية يستبعد التوصل إلى تسوية تفاوضية للصراع الأوكراني إذا كانت الظروف مناسبة. ومع ذلك، سيشعر البرجماتيون التقدميون بالقلق إذا فرضت السياسة الخارجية البريطانية، باسم الواقعية (أو تكاليف الفرصة البديلة) سلامًا على الشعب الأوكراني وحكومته. لا تشير الواقعية التقدمية لـ«لامي» إلى ذلك، ولكن هي أنه من خلال ربط السياسات التقدمية بـ “الواقعية” – بدلاً من “البرجماتية” – من المرجح أن تتخذ سياسة المملكة المتحدة هذا المنحى.
ثالثا: تُركّز واقعية لامي التقدمية، كما هو مفهوم، على الدفاع عن الديمقراطية الأوكرانية، فإن البرجماتية التقدمية تتجاوز هذا لتتساءل عن كيفية معالجة استراتيجية سلام مستدام للسبب الجذري لانعدام الأمن الأوروبي. وسواء كان هذا السبب يكمن في انعدام الأمن الروسي أو الإمبريالية الروسية، فقد بُني كلاهما اجتماعيًا من خلال التفاعل مع “الآخر” الغربي. إن كيفية دفاع هذا الآخر عن الديمقراطية الأوكرانية – والدفاع عنها كما ينبغي – ستؤثر على احتمال إعادة دمج روسيا المستقبلية في مجتمع أمني أوروبي أكثر استقرارًا. وقد يبدو من المثالي، بل وحتى الطوباوي، التفكير في مستقبل تندمج فيه روسيا في مثل هذا المجتمع. ولكن حركات السلام والديمقراطية في سبعينيات القرن الماضي، التي عملت تحت غطاء انفراج القوى العظمى، رُفضت أيضًا باعتبارها طوباوية عندما أكدت لرؤساء الدول أن ممارساتهم خلال الحرب الباردة كانت متناقضة مع العصر في سياق وعي عالمي متنامٍ.
كان ذلك حتى ترسخت أفكارهم عن “الأمن المشترك” في نخبة روسية كانت تسعى للتعافي من إخفاقات الحكم، وبدأ مجتمع مدني أكثر ديمقراطية في الظهور. هذا الاحتمال – مهما بدا بعيدًا، بالنظر إلى الطابع الإمبريالي الحالي للدولة الروسية – يتحدى البرجماتيون التقدميون الباحثين عن ممارسات أمنية أفضل. حيث يتضمن التفاعل الإجرائي التقدمي في هذه الحالة معارضة الإمبريالية الروسية مع “تقدير” (أو تأمين وجودي) جوانب الذات الروسية التي تعترف بالذات الأوكرانية. وهذا يعني، بعبارة أخرى، دعم العمل العلائقي اليومي لإعادة بناء التضامن العابر للحدود الوطنية في جميع أنحاء أوروبا التي تشمل روسيا المستقبلية. مرة أخرى، إن الواقعية المأساوية لا تفكر حتى بهذه المصطلحات. ولهذا السبب، قد يدفع مفهومها النخبوي والمتمركز حول الدولة للسلام التقدميين إلى نسيان هذه الإمكانية السياسية. ولهذا السبب تجادل هذه الورقة بأن البرجماتية شريك أفضل من الواقعية للتقدميين في السياسة الخارجية.
رابعاً: البرجماتية التقدمية وقضية “الحوكمة العالمية”:
لقد كانت التعددية هي الركيزة الأساسية للسياسة الخارجية التقدمية في المملكة المتحدة. كما أنها تحظى بالتقدير من قبل أولئك الذين يستقون إرشادات السياسة الخارجية من البرجماتية الفلسفية. وذلك لأنه، كما أشرنا أعلاه، فإن التعددية توسع مجتمع الاستقصاء، مما يساعد على اكتشاف المشاكل التي تنشأ عن العيش المترابط على نطاق عالمي وتعبئة التضامن السياسي اللازم لحلها. وبهذه الطريقة، لا تزال الأمم المتحدة تحظى بالتقدير باعتبارها المنتدى الدولي الذي يقترب بشكل أفضل، على الأقل في نطاقه، من الجمهور العالمي. وتكمن المشكلة في أن الأمم المتحدة مشبعة بالتسلسلات الهرمية للدول التي تعمل على حماية المصالح الخاصة للبعض على حساب الآخرين. والتسلسل الهرمي لا يتعارض بالضرورة مع فكرة المصلحة العامة. ومع ذلك، هناك شعور عميق بأن الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (UNSC)المكلفين بمسؤولية السلام والأمن الدوليين، لا يملكون القدرة على مواجهة هذا التحدي – أو أنهم يمتلكون القدرة، لكنهم يتصرفون بشكل غير مسؤول.
المشكلة (والفرصة) هي تنامي التعددية القطبية في مواجهة التحديات العالمية المتصاعدة. حيث إن صعود الصين والهند، إلى جانب تنامي أهمية القوى المتوسطة مثل إندونيسيا وتركيا والبرازيل وكوريا الجنوبية والمكسيك واليابان، يُبعد مركز القوة عن تركيزها الأوروبي التقليدي؛ ومع ذلك، تقع ثلاث من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في أوروبا، وتلعب هذه الدول الثلاث دورًا واسعًا في ممارسات عمل المجلس. وتُنتخب القوى الجديدة والناشئة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لكن فترة ولايتها المحددة بعامين تُقيّدها. وينبغي أن يكون الرد البرجماتي التقدمي هو الالتزام بإصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة كوسيلة لتحسين مواءمة هذه المؤسسة مع هذا التوزيع الجديد للسلطة. ومن المثير للاهتمام أن واقعية لامي، على ما يبدو، قد حدّت من النهج التقدمي تجاه هذه القضية. فالأمم المتحدة لا تظهر في “حجته” لصالح الواقعية التقدمية. وهذا يتناقض تمامًا مع برجماتية سلفه المحافظ «جيمس كليفرلي» (James Cleverly) الذي صرّح بأن المملكة المتحدة “ترغب في الترحيب بالبرازيل والهند واليابان وألمانيا كأعضاء دائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، إلى جانب التمثيل الأفريقي الدائم”. بل إن تركيز لامي في الإصلاح ينصب على تخفيف حق النقض (الفيتو) للأعضاء الدائمين بطريقة موجهة بوضوح نحو روسيا.
على الرغم من مكانتها في قلوب التقدميين (إن لم تكن واقعية)، فإن البرجماتية ليست أيديولوجية بشأن مكانة الأمم المتحدة في الحوكمة العالمية. حيث تتكيف الحوكمة العالمية من خلال توسع الأندية العالمية وتغير الأجندات والقيادات. وهذا يؤثر على الاستجابات العالمية، مما قد يسبب قلقًا للتقدميين، ولكنه يفتح أيضًا طرقًا جديدة لمواجهة التحديات المشتركة. على سبيل المثال، أظهرت استضافة الهند لمجموعة العشرين في عام 2023م، ظهورها كجهة فاعلة أكثر قوة لها أولوياتها الخاصة. حيث كانت مجموعة “المبادئ العامة” المخففة المقترحة في بيان مجموعة العشرين بشأن الوضع في أوكرانيا مخيبة للآمال، مقارنةً بضرورة إدانة العدوان الروسي وهزيمته. ومع ذلك، أظهر التركيز على التنمية، من خلال التمويل الأخضر والبنية التحتية العامة الرقمية، كيف يمكن للقيادة الجديدة أن تؤدي إلى ابتكار سياسات تعكس مجموعة أوسع من الاحتياجات. كما عزز إدراج الاتحاد الأفريقي ادعاء مجموعة العشرين بتمثيل مجموعة من الجهات الفاعلة في الاقتصاد العالمي.
وهكذا، يمكن للسياسة الخارجية التقدمية البرجماتية أن تكون منفتحة في تعاملها مع الحوكمة العالمية، وأن تُقيّم كل منتدى من حيث قيمته في حل المشكلات. ومع ذلك، ثمة اعتبارات مهمة تُشكّل هذه الأحكام. قد يُضفي “التدخل الجزئي” في النوادي الدبلوماسية طابعًا أسهل على حل المشكلات، لكن ذلك قد يكون فائدة زائفة إذا لم تنظر هذه الترتيبات إلى المشكلة برمتها. وعرّف «مويسيس نعيم» (Moses Naim) وزير الصناعة والتجارة الفنزويلي الأسبق، التدخل الجزئي بأنه “أقل عدد ممكن من الدول اللازمة لإحداث أكبر تأثير ممكن في حل مشكلة معينة”. وقد حسب نعيم أن “الرقم السحري” في حوكمة المناخ هو 20، لأن أكبر 20 دولة مُلوثة للكربون في العالم تُمثل حوالي 75% من الانبعاثات العالمية. تكمن المشكلة، كما أشارت «روبين إيكرسلي» (Robin Eckersley) في أن العقبات التي تعترض التوصل إلى اتفاق مناخي شامل تكمن في مجموعة الدول الرئيسية المُصدرة للانبعاثات. وبهذا المعنى، فإن استبعاد الدول ذات الانبعاثات المنخفضة لن يُسهم كثيرًا في معالجة المشكلة (وسيُقلل الضغط السياسي لإيجاد حل من المجموعة الأوسع من المتضررين سلبًا).
كيف يرتبط هذا بواقعية لامي التقدمية؟ تتضمن واقعية لامي “السعي وراء المُثل العليا دون أوهام حول ما يُمكن تحقيقه”. وقد يؤدي هذا النهج إلى تفضيل الترتيبات المصغرة، لأنها أكثر قدرة على “تحقيق” التوافق من الترتيبات متعددة الأطراف الشاملة. إلا أن الصعوبات التي تحددها «إيكرسلي» تُعيق هذا النوع من الواقعية. فباستبعاد المتأثرين بمشكلة ما لتحقيق توافق، فإنها في الواقع لا تُدرك حتى المشكلة التي يُفترض أن تُحلها. فإذا طُبق تعريف نعيم على حوكمة المناخ، على سبيل المثال، لاستُبعدت مخاوف الدول الجزرية الصغيرة، ولتم تشكيل كلٍّ من “المشكلة” و”الحل” بطرق يصعب وصفها بالتقدمية.
ستأخذ السياسة الخارجية البرجماتية التقدمية هذا النقد للأندية الدبلوماسية على محمل الجد، وستتصدى له بطريقة قد لا تفعلها الواقعية التقدمية. وكما أشرنا في التعريف الثلاثي للبرجماتية التقدمية، فإنه يؤكد على أهمية إضفاء الطابع الديمقراطي على الحوكمة متعددة الأطراف بحيث تُشرك “الجماهير” (المتأثرة بانبعاثات الكربون) في العمليات التي تُشكل المشكلة والحل. وينطبق هذا النقد بالقدر نفسه على مقترحات إصلاح مجموعة الدول السبع وتحويلها إلى مجموعة من الدول العشر “الديمقراطية الرائدة”، وتوسيع مجموعة البريكس لتصبح نادٍ مناهض لليبرالية. يُخاطر هذا بتعريف الحوكمة من منظور أيديولوجي، بدلاً من فائدتها السياسية في مواجهة التحديات العالمية.
وبالطبع، تظل الأمم المتحدة، على الأقل من خلال اتفاقيتها الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) محور حوكمة المناخ العالمية. ولكن هنا أيضًا، تهدف السياسة الخارجية البرجماتية التقدمية إلى إصلاح التسلسلات الهرمية الإقصائية التي تقف في طريق العمل على حل المشكلات. وتأمل اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ أن تعزز عملية “التعهد والمراجعة” لمؤتمر الأطراف السنوي (COP) وطموحات الدول لإبطاء معدل الاحتباس الحراري. وتتمثل القضية، التي تم توضيحها جيدًا في مؤتمر الأطراف السادس والعشرين، الذي عقد في غلاسكو عام 2021م، في كيفية تمثيل المصالح الخاصة في مؤتمر الأطراف: مع وجود خلل واضح في توازن القوى يعمل ضد المصالح العامة. فعلى سبيل المثال، ارتبط إلغاء دعم الوقود الأحفوري، الذي بلغ 5.9 تريليون دولار أمريكي في عام 2020، بحضور صناعة الوقود الأحفوري في المؤتمر. وفي الواقع، فأن هذا القطاع لم يكن صاحب أكبر وفد في القمة فحسب، بل كان “أكبر من إجمالي الوفود الثمانية للدول الأكثر تضررًا من تغير المناخ في العشرين عامًا الماضية”. في هذا السياق، لن تُواجه التعددية الشاملة بين الدول تحدي تغير المناخ. ويرجع ذلك إلى أن الدول نفسها تتأثر بمصالح خاصة تسعى إلى الدفاع عن الممارسات الحالية (ولكن غير المستدامة).
إن الحل التقدمي البرجماتي للمشكلة لا يتمثل في التخلي عن التعددية الشاملة، بل في دمقرطتها. في هذه الحالة، ستسعى السياسة الخارجية التقدمية البرجماتية إلى دمقرطة مؤتمر الأطراف من خلال تشجيع المشاركة المتساوية من موردي الطاقة المتجددة؛ أو من خلال تشكيل تحالفات مع الدول الأكثر تضررًا من تغير المناخ لموازنة قوة صناعة الوقود الأحفوري. وللأسف، اتخذت السياسة الخارجية البريطانية مؤخرًا خطوة رجعية في هذا الصدد. فقد أدى التأخير في التخلص التدريجي من مركبات محركات الاحتراق، ورفع القواعد لتحسين كفاءة الطاقة، وتباطؤ الانتقال إلى مضخات حرارية منخفضة الانبعاثات، إلى تشكيك لجنة تغير المناخ البرلمانية في قدرة المملكة المتحدة على الوفاء بتعهداتها. وهذا يضعف مكانة المملكة المتحدة كقائدة في عملية مؤتمر الأطراف. ومن الصعب أن تخجل الدول لعدم التزامها بمعالجة المشكلة عندما يكون بإمكانها رفض تلك الجهود بشكل معقول باعتبارها نفاقًا. وهذا يشير أيضًا إلى مشكلة أخرى. قبل الانتخابات العامة لعام 2024، زعم كلا الحزبين الرئيسيين أن حكومات المملكة المتحدة لن تعالج تحدي تغير المناخ إذا لم تأخذ الناخبين معها، ولكن هنا مرة أخرى، فإن الإجابة البرجماتية التقدمية هي المزيد من الديمقراطية بدلاً من التسوية “الواقعية”. وبدلاً من تقسيم الجماهير من خلال تأطير القضية من حيث جبهة أخرى في حرب ثقافية بين الأجيال، يمكن صياغة التضامن الجماعي والغرض من خلال ممارسات شاملة ومدروسة، ربما باتباع نموذج للجمعيات المدنية، مما يسمح للجمهور غير النخبوي بالمساهمة في المناقشة
خاتمة:
هدفت هذه المقالة إلى تطوير أخلاقيات السياسة الخارجية البرجماتية. ويُعد هذا صعبًا نظرًا للطريقة التي تُفهم بها البرجماتية في خطاب السياسة الخارجية اليومي. إذ يُخلط عادةً بينها وبين الواقعية في التأثير وتكييف الغايات بحكمة لتتناسب مع الوسائل المتاحة. وفي هذا الصدد، غالبًا ما تُستخدم البرجماتية بالتبادل مع الواقعية ومبدأ العواقب (بدلاً من الإقناع) الذي تتبناه فيما يتعلق بالسلطة. وقد لاحظنا في هذا السياق كيف أثر هذا التعريف للبراغماتية على خطاب السياسة الخارجية الحديث، ولا سيما صياغة وزير الخارجية البريطاني الحالي، ديفيد لامي، للواقعية التقدمية. وكان القلق من هذا الاقتران بين الأهداف التقدمية والواقعية ذا شقين: أولاً، أن الأخيرة قد تؤثر عمليًا على صانعي السياسات بقوة مفرطة، مما يُفقدهم الفرص التقدمية عند ظهورها؛ وثانيًا، لأن الواقعية وسيلة لتحقيق غاية تقدمية، فقد يفترض صانعو السياسات أن هذه الغايات مُسلّم بها وليست موضوعات للنقاش الديمقراطي. ويمكن القول إن لامي، بصفته وزيرًا للخارجية، قد قاد السياسة نحو اتجاه تقدمي. وفي هذا الصدد يمكن الاستشهاد بتخلي المملكة المتحدة عن اعتراضاتها على تدخل المحكمة الجنائية الدولية في الوضع في غزة، وتعليق بعض تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، لدعم هذا الادعاء., مع ذلك، هذا لا يعني أن المخاطر التي نشير إليها غير حقيقية. وللتخفيف من هذه المخاطر، جادلت هذه الورقة بأن السياسة الخارجية التقدمية من الأفضل أن تقترن بالتوجيه الذي ينبثق من البرجماتية الفلسفية. وذلك لثلاثة أسباب. على عكس الواقعيين، فإن البرجماتيين أكثر وعيًا بالطبيعة المبنية والإجرائية (بدلاً من الجوهرية والثابتة) للمشاكل الاجتماعية. وبهذا الوعي، سيكونون 1) أقل تشككًا وأكثر إبداعًا في السعي لتحقيق التقدم؛ 2) أقل ميلًا إلى التنازل عن الممارسات متعددة الأطراف، و3) أكثر التزامًا بإضفاء الطابع الديمقراطي على تلك الممارسات كوسيلة لكشف المشكلات العملية وحلها.

اترك تعليقا