قمة واشنطن خطوة نحو تسوية الأزمة الأوكرانية
بواسطة :
أولاً: انعقاد قمة واشنطن ونتائجها:
بداية، جرت قمة واشنطن خلف الأبواب المغلقة، ولم تُنشر عنها أي تفاصيل بوسائل الإعلام، ولكن الملفت للنظر وما يشير إلى النوايا الاستراتيجية المتعلقة بالشروط المبدئية لإنهاء الصراع، أن قبيل بدء المحادثات المغلقة بين ترامب وزيلينسكي، وضعت خريطة كبيرة لأوكرانيا بالمكتب البيضاوي بالبيت الأبيض متضمنة الأراضي الخاضعة للسيطرة الروسية.
ولكن استنادًا إلى التصريحات المعلنة، يمكن القول إن هذه القمة تناولت بشكل رئيسي القضايا الإقليمية مقترنة بضرورة توفير ضمانات كافية لأمن أوكرانيا. خاصة أن الرئيس الأوكراني صرح باستعداده لمناقشة هذه القضايا في اجتماع مع نظيره الروسي. كما أعلن أن تفاصيل الضمانات الأمنية لأوكرانيا سوف تُستكمل في غضون عشرة أيام. معربا عن تطلعه للحصول على حزمة مساعدات بقيمة 90 مليار دولار لشراء أسلحة، كجزء من هذه الضمانات الأمنية. وفي المقابل، أعلن ترامب أن الدول الأوروبية سوف تقدم ضمانات أمنية بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
والملفت، أن قمة واشنطن لم تناقش احتمالية نشر قوات أوروبية وأمريكية في أوكرانيا، حسبما صرّح به الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته (Mark Rutte) على الرغم من أن القادة الأوروبيين دافعوا عن هذا الموضوع بنشاط في الأيام السابقة على هذه القمة، من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (Emmanuel Macron) الذي وصف نشر القوات الغربية في أوكرانيا بأنه أحد «ركائز الضمانات» لكييف. كما كان ينوي مناقشة هذه المسألة خلال المفاوضات مع ترامب. كذلك حاول القادة الأوروبيون الدفع مجددًا بفكرة التوصل إلى وقف إطلاق النار أولا، ووقف الأعمال العدائية، ثم الانتقال إلى إعداد اتفاق سلام شامل بين طرفي الصراع. وهو ما ترفضه موسكو، كما هو معروف، وترغب في الانتقال مباشرةً إلى اتفاق سلام شامل
أما الرئيس دونالد ترامب، فقد أوضح من جانبه أنه يتفق مع الكرملين في وجهة نظره بشأن هذه القضية. وصرح تحديدًا بأن وقف إطلاق النار قد يمنح أحد الطرفين ميزة استراتيجية، مما يسمح له بإعادة تنظيم صفوفه. والجدير بالذكر أن الرئيس زيلينسكي أعلن من واشنطن أنه لن يُصر على وقف إطلاق النار أولا كشرط مسبق لخوض مزيد من المفاوضات وهو ما يُمثل خروجًا عن موقفه السابق
وفي المؤتمر الصحفي، تحدث الرئيس ترامب بشكل عام وبعبارات غامضة للغاية، بل إنه ترك أسئلة بعض الصحفيين دون إجابة، ولكنه فيما يتعلق باحتمال انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، كان قاطعًا إذ قال: «لن تنضم أوكرانيا إلى الناتو». وكما هو معلوم، يختلف هذا الموقف عن موقف عدد من الدول الأوروبية الأخرى الأعضاء بحلف الناتو.
أما النتيجة الرئيسية للقمة، فكانت إعلان الرئيس ترامب عن الاستعدادات لعقد لقاء بين الرئيسين بوتين زيلينسكي. خاصة أنه اتصل بنظيره الروسي، عقب القمة مباشرة؛ لمناقشة بعض التفاصيل والمقترحات التي انبثقت عن اجتماعه مع القادة الأوروبيين. ويبدو هذا الأمر رمزي للغاية ويشير أولا إلى أن الحوار حان وقته، وان ترامب فضل الاضطلاع بدور الوسيط أو الحكم في هذه العملية، بدلًا من دور الطرف المُشارك المباشر في الخلافات. بدليل أنه صرح قبل القمة بقوله: «اتصلتُ بالرئيس بوتين، وبدأتُ أيضا ترتيبات لعقد لقاء بين الرئيس بوتين والرئيس زيلينسكي، في مكانٍ ما سوف يُحدَّد لاحقًا، وبعد انعقاد هذه القمة، سوف نُجري لقاءً ثلاثيًا، يضمّ الرئيسين، بالإضافة إليّ» وقد وصف في منشوره على موقع «تروث سوشيال» (Truth Social) ذلك بأنه «خطوةٌ مبكرةٌ وممتازةٌ لحربٍ مستمرةٍ منذ ما يقرب من أربع سنوات» وقال أيضا «أن “قمة ألاسكا عززت إيماني بأن السلام، وإن كان صعبًا، إلا أنه في متناول اليد»
يمكن استخلاص جملة من النتائج التي تمخضت عن هذه القمة، تمثلت فيما يلي:
لا وجود لقوات أمريكية: إذ صرّح الرئيس دونالد ترامب بأنه لن تكون هناك قوات أمريكية على الأرض للمساعدة في إنفاذ اتفاق سلام محتمل في أوكرانيا.
توفير الضمانات الأمنية: فقد صرح مسؤول في البيت الأبيض بأن تفاصيل الضمانات الأمنية هي محور المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين وأوكرانيا.
إلقاء اللوم على أوكرانيا: بدا الرئيس الأمريكي وكأنه يلقي اللوم على أوكرانيا في بدء الحرب مع روسيا، قائلاً: «لا يُمكنك مُواجهة دولةٍ أكبر منك بعشرة أضعاف».
مخاوف قادة أوروبا المطولة: فقد صرّح ترامب بأن القادة الأوروبيين أعربوا عن مخاوفهم بشأن استمرار الضمانات الأمنية الأمريكية في اتفاق السلام المحتمل في أوكرانيا بعد انتهاء ولايته الرئاسية، وأقرّ بأن جهود ردع الرئيس الروسي ستعتمد على من سيتولى الرئاسة
وتيرة المفاوضات: صرّح ترامب بأن بعض القادة الأوروبيين لا يشعرون بنفس درجة الإلحاح التي يشعر بها تجاه إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية. وأشار إلى اقتراح أحد القادة بلقاءٍ خلال “شهر أو شهرين آخرين
العلاقة الدافئة مع بوتين: صرّح الرئيس ترامب بأنه شعر بـ«دفء» بينه وبين بوتين، وهو ما تجلّى خلال القمة التي جمعتهما في ألاسكا. وأضاف أنه لم يتحدث مع الرئيس الروسي أمام القادة الأوروبيين أمس، لأنه شعر بأن ذلك “سيكون إهانةً” لبوتين
لقاء زيلينسكي وبوتين: قال ترامب إنه رتّب «نوعًا ما» لقاءً بين الزعيمين، لكنهما هما من يمتلكان زمام الأمور. ومن جانبه رفض وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف (Sergey Lavro) الالتزام بلقاء بين بوتين وزيلينسكي. لكن السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض كارولين ليفيت (Karoline Leavitt) قالت إن بوتين وعد ترامب بعقد لقاء مباشر مع زيلينسكي
ثانيا: السياق الجيوسياسي والاقتصادي للقمة:
لفهم مسار المفاوضات وأهداف كل طرف ونفوذه، خلال قمة واشنطن، يتعين إلقاء الضوء على السياق الجيوسياسي والاقتصادي للأطراف الفاعلة في الوضع الراهن، من خلال الإجابة على تساؤلات منطقية في هذا الشأن، وذلك على النحو التالي:
ماذا حققت لها زيارة الرئيس زيلينسكي للبيت الأبيض؟
على الرغم من هذه القمم تبدو كأنها محدودة الإنجازات، إلا أنها سوف تكون بالغة الأهمية في تسوية الأزمة الأوكرانية؛ فقد التقي الرئيس زيلينسكي بالرئيس ترامب في البيت الأبيض وسارت الأمور بينهما وعلى ما يرام. حتى في حضور قادة أوروبيين آخرين لدعمه. ولعل هذا ما يشير إلى ثمة توافق ما بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وأوروبا وهذا أمر جيد. كما أنه حصل على دعم الرئيس ترامب لإجراء محادثات مباشرة مع بوتين، لكن هذا لا يعني إنهاء الحرب بين البلدين ولا إجبار بوتين على الانسحاب من الأراضي الأوكرانية. ولكن ديناميكيات هذه القمة حالت دون وقوع المزيد من الأمور السيئة التي كان من الممكن أن تحدث بين ترامب وزيلينسكي كما حدث في لقائهما قبل بضعة أشهر، بل عززت القمة الوحدة عبر الأطلسية الضرورية للمضي قدماً في تسوية الأزمة الأوكرانية. ([xi])
فشل إنذار ترامب، الذي بدا كأنه هدية غير متوقعة لـ «حزب الحرب» الغربي. فقد هدد بفرض رسوم جمركية صارمة على روسيا وشركائها التجاريين؛ إذا رفضت توقيع اتفاقية سلام مع كييف بحلول 8 أغسطس. لكن ضغوط ترامب لم تنجح في الضغط لا على روسيا ولا الهند ولا على الصين. علاوة على ذلك، كان فرض الرسوم الجمركية سيعني إشعال حرب تجارية واسعة النطاق مع أكبر اقتصادات العالم. حيث وجد ترامب نفسه في موقف صعب، لكنه خرج منه بذكاء، من خلال القمة مع بوتين
روسيا كانت في موقف قوي خلال القمة الأمريكية؛ فهي مستقرة اقتصاديًا وتتمتع بتفوق عسكري وتحتفظ بعلاقات متينة مع دول رئيسية غير غربية. وقد يفترض المرء أن هذا الموقف يسمح لها بتقديم قائمة مطالب خاصة لها، لكن هدفها الحقيقي هو ضمان أمنها في سياق يقترب فيه التكتل العسكري لحلف الناتو من حدودها. حتى قبل بدء الصراع الأوكراني، حيث دعت الغرب إلى تشكيل هيكل أمني جديد مع ضمانات لكل طرف. ولا تزال روسيا تُصر على ذلك. ومع هذا فإن إنشاء هيكل أمني مستقر دون مراعاة مصالح جميع الأطراف أمر مستحيل. لذا فمن المنطقي أن تقترح القيادة الروسية حلولاً وسط، بما في ذلك مسألة تقديم ضمانات لأوكرانيا. ومن الواضح أن إدارة ترامب مستعدة التعامل مع هذا الأمر وتعزيزه في صيغ التفاوض مع كييف والأوروبيين. وتشير تصريحات الرئيس الأميركي عقب قمة ألاسكا إلى أن واشنطن استمعت أخيراً إلى موقف موسكو، وهي مستعدة لاستخدام هذه القمة كنقطة بداية.
ما نقاط الضغط التي من الممكن للولايات المتحدة وأوروبا استخدامها لحمل روسيا على التراجع وتخفيف شروطها لتسوية الأزمة؟
على الرغم من أن الرئيس الروسي، أثبت حتى الآن براعته، إلا أن هناك أمرين رئيسيين يتعين على الولايات المتحدة والقوى الغربية التركيز عليهما. الأول ضمان استمرار تدفق الدعم العسكري الموثوق والواضح والمعروف لأوكرانيا دون انقطاع، والذي يشمل الأسلحة والذخائر الأمريكية، إلى جانب الأسلحة والذخائر من الحلفاء الأوروبيين وغيرهم، وتزويدها بما تحتاجه للدفاع عن نفسها، وامتلاك دفاعات جوية أفضل، ومهاجمة خطوط الاتصال الروسية.
وقد رأينا بالفعل الرئيس ترامب يعطي الضوء الأخضر لعمليات شراء أوروبية للأسلحة والذخائر الأمريكية لنقلها إلى أوكرانيا. وكلف حلف الناتو بتنسيق ذلك، وهذه إشارة قوية لبوتين بأن الأمور لن تصبح أسهل.
والأمر الثاني، يتعلق بالضغط الاقتصادي، وضمان عدم حصول روسيا على عائدات كافية من النفط والغاز لإبطال فاعليتها في استمرار الحرب. من خلال ضمان بقاء أسعار النفط منخفضة. واستهداف مبيعات النفط والغاز بفرض رسوم جمركية عليها وعقوبات ثانوية، مما يُضعف الرغبة في مشاركة روسيا في الأعمال التجارية، وبالتالي تنضبها؛ فتصبح عاجزة عن تحمل تكاليف الحرب. وبالفعل اتخذت الولايات المتحدة بعض الخطوات في العقوبات الأولية، وبعض الخطوات لمواجهة الأسطول السري.
هل يمكن للأمريكيين التنحي جانباً والقيام بدور الوساطة بدلاً من الصراع بالوكالة؟
هذا الخيار ممكن، على الرغم من أبعد ما يكون عن الوضع المثالي لواشنطن. لا خطط واشنطن الجيوسياسية الأوسع نطاقاً. تتضمن، وفقا لمراكز الفكر الأمريكية، تحولاً استراتيجياً نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ولعل هذا ما يفسر لنا المحادثات حول إمكانية خفض أعداد القوات الأمريكية في أوروبا. كما أنه من المنطقي تأمين النجاح لهذه الخطط عبر إنهاء حرب الغرب بالوكالة مع روسيا بشكل نهائي.
والجدير بالذكر أيضاً أن روسيا تتمتع بقيمة استراتيجية مميزة للولايات المتحدة، سواء من حيث التعاون الاقتصادي، أو كلاعب أساسي في المثلث الناشئ بين الولايات المتحدة وروسيا والصين لذا، فإن دور الوسيط بين روسيا من جهة وأوروبا/ كييف من جهة أخرى، وإن كان صعبًا، لكنه ضروري للولايات المتحدة. يمثل فرصة فريدة لها. خاصة أن الأمريكيين (في إدارة بايدن) هم من بدأوا هذا الصراع بالوكالة، إلا أن لديهم الآن فرصة للخروج منه كصانعي سلام.
ما هي احتمالات التحرك نحو اتفاق لوقف إطلاق النار بعد جولتي المفاوضات؟
منذ بداية فبراير وأوائل مارس من العام الجاري كان ترامب يضغط على أوكرانيا بلا هوادة لحملها على الموافقة على وقفٍ فوريٍّ لإطلاق النار. وقد فعلت أوكرانيا ذلك، وانضمّ الأوروبيون إلى هذا الرأي قائلين «حسنًا، سنسعى جميعًا إلى وقفٍ لإطلاق النار» لكن الرئيس الروسي يرفض فكرة وقف إطلاق النار، وعندما التقى ترامب مع بوتين في الاسكا، تراجع ترامب، وقال: «حسنًا، لن نتوصل إلى وقف إطلاق نار الآن، بل إلى اتفاق شامل». ومن المعلوم أن الجميع يتبع ترامب. زيلينسكي يتبع ترامب، والأوروبيون كذلك، قالوا: «حسنًا، سنتوصل إلى اتفاق شامل الآن» وفي هذا الإطار لم يستبعد ترامب إرسال قوات أمريكية إلى أوكرانيا في إطار جهود حفظ السلام. وهذا أهم ما تمخض عنه اجتماع واشنطن، إذ صرح قائلاً: «سنقدم دعمًا أمريكيًا لقوة طمأنة بقيادة أوروبية في أوكرانيا لردع أي هجمات روسية مستقبلية بعد وقف إطلاق النار» ومن المحتمل أن ينطوي هذا الدعم على الخدمات اللوجستية الاستخباراتية، وربما المساعدة في الدفاع الجوي، وفي الحالات القصوى، ربما الدعم الجوي للقوات الأوروبية. لكن لن تنتشر قوات أمريكية في أوكرانيا، وسوف يقتصر وجود الأمريكيين للتدريب والتجهيز والتفاعل المباشر مع الصناعات الدفاعية، ولكن ليس لردع روسيا
هناك طرف آخر في هذا الصراع، على الرغم من افتقاره إلى موقف قوي، إلا أنه يسعى جاهدًا لعرقلة الأمور وهو أوروبا. وبشكل أدق، «حزب الحرب» الذي يضم ماكرون، وميرتس، ورئيس الوزراء البريطاني «كير ستارمر» (Keir Starmer) ورئيسة المفوضية الأوروبية «أورسولا فون دير لاين» (Ursula Gertrud von der Leyen) ويمكن أيضًا إدراج رئيس الوزراء البولندي «دونالد توسك» (Donald Tusk) ضمن هذه المجموعة المهتمة بمواصلة القتال. وكلٍّ له أسبابه الخاصة؛ فالبعض منهم يحلم بإضعاف روسيا، والبعض الآخر يأمل في تقاسم ميزانية الاتحاد الأوروبي المخصصة للعسكرة، بينما يخشى آخرون من تحول التركيز إلى المشاكل الداخلية بعد انتهاء الصراع. وفي هذا الإطار يجب الاعتراف بأن حياة الأوروبيين وحالة الاقتصاد الأوروبي، قبل الحرب، كانت أفضل بكثير مما هي عليه الآن. علاوة على ذلك، يخشى القادة الأوروبيون من أن تُقلص الولايات المتحدة وجودها العسكري في القارة، مما يضطرهم إلى توجيه الأموال نحو تعزيز الدفاع بدلاً من إنفاقها على جيوبهم الخاصة.
وبالنسبة لهذه النخب الأوروبية، فإن السيناريو المفضل هو دفع ترامب إلى حرب تجارية عالمية. حيث يمكنهم في ظل هذه الظروف ضمان مكافآت تجارية لأنفسهم، خاصة أن الولايات المتحدة لن تشن حرباً اقتصادية على كل الجبهات في آنٍ واحد. ولكن لتحويل ترامب ضد روسيا، يجب تهيئة الظروف التي تُشعل التوترات. فكانت أحد أفكارهم هو إقناع ترامب بدعم مقترحات لحل الأزمة الأوكرانية، ترفضها موسكو رفضًا قاطعًا؛ لأنها تشمل نشر قوات الناتو على الأراضي الأوكرانية، أو تحويل أوكرانيا، على حدّ تعبير فون دير لاين، إلى «قنفذ فولاذي» مُدجّج بالسلاح أو تأييد حق أوكرانيا في الانضمام إلى الناتو. وجميع هذه الأفكار المتداولة بينهم، هدفها واحد هو إفشال التفاوض وإلقاء اللوم على روسيا. ومع ذلك، من الواضح أن ترامب ليس من السهل التلاعب به. لقد اختبر بالفعل أسلوب الإنذارات النهائية، وهو يُدرك ما يُجدي نفعًا وما لا يجدي.
من جانبه، يمكن لحلف الناتو؛ أن يقدم بعض المساعدة لأوكرانيا، وهو ما تطمح في الوصول إلية عبر هذه المفاوضات وما تبتغيه من ضمانات أمنية. ولعلّ أهم ما يمكن للناتو فعله هو العمل مباشرةً مع أوكرانيا، وحشد الخبراء والمهندسين والفنيين للعمل معها لتطوير قدرات دفاع جوي استراتيجية متكاملة متعددة الطبقات. خاصة أن ما تمتلكه أوكرانيا حاليًا هو مزيجٌ متنوع من الأنظمة، يفتقر إلى الذكاء الاصطناعي لتحديد أي سلاحٍ يُستخدم ضد أي جهازٍ. ويمكن تحسين الكثير من هذا من خلال تنسيقٍ أفضل للأنظمة مع الناتو. كما يحتاج الناتو إلى هذا الدفاع الجوي، لأنه يواجه نفس التهديد من روسيا
والأمر الثاني الذي يمكن لحلف الناتو القيام به هو التعاون مع أوكرانيا في مجال الاستهداف بعيد المدى. حيث تمتلك أوكرانيا الآن العديد من القدرات المحلية للاستهداف بعيد المدى داخل روسيا، والتي تستهدف خطوط الاتصالات العسكرية الروسية. وهذا بالغ الأهمية لردع الهجمات الروسية المستقبلية. ([xx]) لذا، فإن هذا الأمر يتطلب أيضًا تزويد أوكرانيا بالتنسيق والمعلومات الاستخباراتية المناسبة وأنظمة الأسلحة المناسبة، حتى تتمكن من ردع الهجمات الروسية في المستقبل، من خلال تهديد اللوجستيات. وهذا أمر آخر يمكن لحلف الناتو القيام به
ما الذي يمكن للولايات المتحدة فعله لتسهيل تسوية سلمية للصراع؟
يمكن للولايات المتحدة فعل الكثير، ولا يقتصر هذا على الصراع الأوكراني فحسب، بل يتعلق أيضًا بالمواجهة الأوسع بين الغرب وروسيا. فقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن واشنطن تمتلك نفوذًا أكبر بكثير على كييف والنخب الأوروبية مقارنةً بنفوذها على روسيا أو الصين أو الهند. لأن الجيش الأوكراني وبكل بساطة، سيُصاب بالشلل إذ منعت عنه مساعدات مالية وعسكرية، أو صور الأقمار الصناعية وبيانات الاستخبارات. وهو الأمر الذي يؤدي إلى تقدم كبير للقوات الروسية. وهذا، مرة أخرى، ليس في مصلحة واشنطن. لكن في ترسانة ترامب أيضًا تعريفات جمركية وعقوبات وأدوات ضغط سياسي ودبلوماسي، يمكن أن تنطبق على كييف وعلى الأطراف الأوروبية الحريصة على استمرار الصراع.
الجدير بالإشارة أنه قبل شهرين فقط، رد ترامب بقوة على تصريحات موسكو التي شككت في شرعية زيلينسكي. واليوم، في هذه القمة، سخر ترامب نفسه ضمنيا من الانتخابات في أوكرانيا، حتى أنه ألمح إلى أن الولايات المتحدة قد تلغي انتخاباتها الرئاسية بعد ثلاث سنوات ونصف بسبب صراع عسكري.
ثالثا: مستقبل الأزمة الأوكرانية بعد قمة واشنطن:
استضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرئيس الأوكراني زيلينسكي وسبعة قادة أوروبيين في البيت الأبيض لمناقشة سبل حل الأزمة الأوكرانية، وذلك بعد محادثات أجراها مع نظيره الروسي في ألاسكا. وهي قمم محورية لكنها انتهت دون التوصل إلى أي اتفاق. صحيح قد تكون محدودة الإنجازات، لكنها بالغة الأهمية في طريق تسوية الأزمة الأوكرانية، حيث تتوقف عملية التسوية على عدة ملاحظات هي التي ستحدد مستقبل الأزمة الروسية الأوكرانية وهي:
مدى التقدم في المحادثات: فخلال اجتماع ترامب مع زيلينسكي والقادة الأوروبيين ساد جوٌّ عامٌّ هادئٌ. ورغم أن النتيجة النهائية لهذا الاجتماع لم تقدم حلاً شاملاً، إلا أنها ساهمت في الدفع قُدم انحو حل النزاع؛ خاصة أن الولايات المتحدة وافقت على اثنين من مطالب أوكرانيا الرئيسية، وهي أن تكون واشنطن جزءا من أي ضمانات أمنية مستقبلية في اتفاق سلام، وأن تتم مناقشة القضايا الإقليمية فقط بشكل مباشر مع بوتن. كما خفف بوتن من موقفه بشأن لقاء فردي محتمل مع زيلينسكي، وهو ما يظهر أن هناك بعض الأسس للتواصل بينهما ومن ثم التوصل إلى تسوية بشأن القضايا الإقليمية
ولا يمكن اعتبار ذلك إنجاز كبير، لكن ما نود توضيحه أنه تم إحراز بعض التقدم في دفع المسار السياسي والدبلوماسي نحو حل الصراع. والنقطة الرئيسية هذه المرة هي أن أطراف ثمة واشنطن ابتعدت عن موقفها السابق، الذي ان متمسكا بوقف إطلاق النار أولًا، وفرض المزيد من العقوبات على روسيا، وتحول التركيز نحو إمكانية عقد قمة بين قادة الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، وعلى ضمانات أمنية لأوكرانيا من الولايات المتحدة وأوروبا.
وبالنظر إلى نتائج مكالمة ترامب مع بوتين، وردّ موسكو، ازدادت فرص عقد اجتماع ثلاثي بين القادة. ولكن لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت روسيا سوف توافق فورًا على عقد قمة روسية-أوكرانية على المستوى الرئاسي. وحتى الآن لم تُوافق موسكو، لكنها لم ترفض أيضًا، مما يعني أن روسيا لا تزال ترغب في معرفة ما إذا كانت أوكرانيا مستعدة لتقديم تنازلات قبل الموافقة على عقد قمة بين الرئيسين.
مدى ما يُقدّمه زيلينسكي من تنازلات: يكمن الخلاف الأكبر في مسألة تبادل الأراضي، أي التنازل عمليًا عن أراضٍ ذات سيادة لأوكرانيا. ومع أن هذه المسألة لم تُطرح في الاجتماع متعدد الأطراف، إلا أنها كانت محورًا رئيسيًا في المحادثات الثنائية بين الولايات المتحدة وأوكرانيا. فمنذ اندلاع الصراع عام ٢٠٢٢م، سيطرت روسيا على نحو ٩٩٪ من لوغانسك، و٧٦٪ من دونيتسك، و٧٣٪ من زابوريزهيا، و٧٣٪ من خيرسون، و٤٪ من خاركيف، وحوالي ١٪ من دنيبروبيتروفسك.
وتريد موسكو مقايضة سيطرتها في خاركيف ودنيبروبيتروفسك بالسيطرة الكاملة على لوغانسك ودونيتسك. وهذا يعني بالنسبة لأوكرانيا خسارة المزيد من الأراضي. أما بالنسبة لزيلينسكي الذي لطالما صرح بأن التنازل عن الأراضي خطًا أحمر ولا يمكن مقايضة أي أرض بالسلام، فقد أظهر في محادثاته مع ترامب هذه المرة، تحوّلًا ملحوظًا – تخفيفًا – في موقفه من القضايا الإقليمية. وأصبح يرى أن القضايا الإقليمية قابلة للنقاش، ولكن فقط على مستوى قمة روسية أوكرانية، أو قمة أمريكية-روسية-أوكرانية. وهذا تحوّل ملحوظ
كما كان هناك اختلاف حاد في تسلسل الأحداث، إذ تُصرّ أوكرانيا وأوروبا على أن الصراع يجب أن يبدأ بوقف إطلاق النار، بينما ترى روسيا، أن وقف إطلاق النار غير ضروري، وترغب في الانتقال مباشرةً إلى محادثات «سلام دائم» لكن هذا الخلاف لم يعد موجوداً بعد فتح المسار الدبلوماسي في قمة الاسكا، ثم مشاورات قمة واشنطن واللقاء المرتقب بين بوتين وزيلينسكي. وهذا يجعل المحادثات المستقبلية بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا ليست بنفس القدر من التعقيد السابق.
مدى الدعم الأوروبي لأوكرانيا: بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، فقدت أوروبا إمكانية الوصول إلى السوق والطاقة الروسيتين، وعانت من تراجع التصنيع وهروب رؤوس الأموال، وواجهت توترات اجتماعية متصاعدة بسبب أزمة اللاجئين. ومع ذلك طغت واشنطن على صوت أوروبا في قضية ووقف الحرب، وهو أمر غير مقبول بالنسبة للدول الأوروبية. فمن وجهة نظر أوروبا، كانت محادثات ترامب وبوتين محفوفة بالمخاطر. لأنها كانت ترى أن أي تسوية بين واشنطن وموسكو قد تؤدي إلى انهيار أوكرانيا سياسيًا وعسكريًا – وهو سيناريو تصرّ كلٌّ من أوكرانيا وأوروبا على تجنبه.