الرئيسية » الدراسات » الدروز الهوية والتاريخ والتموضع السياسي

الدروز الهوية والتاريخ والتموضع السياسي

بواسطة :

أولا: الجذور التاريخية والنشأة العقائدية:
  • الجذور التاريخية: تمثل الطائفة الدرزية إحدى الفرق الشيعة الباطنية، التي ظهرت في سياق التفكك الذي تعرض له المذهب الإسماعيلي، في عهد الدولة الفاطمية بمصر (909 – 1171م) وارتبطت نشأة عقيدتها بشخصية «الحاكم بأمر الله الفاطمي» (996–1021م) الذي مثّل ظهوره لحظة محورية في تشكل بنية هذه العقيدة، فقد نظر بعض أتباع هذا المذهب إلى هذا الظهور على أنه مظهر من مظاهر ألوهية الحاكم بأمر الله، وهو الأمر الذي شكل خروجا عن المعتقدات الإسماعيلية الأصلية وافتراقا باتا معها، أفضى بدوره إلى تكوين طائفة منبثقة عنها، هي الدرزية. ([1])
وهكذا، ولدت الدعوة الدرزية في القاهرة، ثم انتقلت إلى بلاد الشام، وتحديدًا إلى جبل لبنان وجبل العرب (جبل الدروز حاليًا) حيث وجدت في الطبيعة الجبلية حاضنة تضمن لها الحماية والبقاء. وقد ساهم هذا التمركز الجغرافي في بلورة المواقف السياسية للطائفة الدرزية، وفي جعلها متحوطة وذات طابع دفاعي أميل إلى الانغلاق؛ حال تعرضها للتهديد أو الانفتاح المشروط حال تمتعها بالاستقرار ([2]).
  • الأصول العقائدية: من المعروف أن العقيدة الدرزية صيغت على يد عدد من الرموز البارزة، في مقدمتهم «حمزة بن علي بن أحمد» الذي يُعد المؤسس الفكري للطائفة، فهو من وضع أصولها، وأسس التقسيم الطبقي للمجتمع الدرزي. إضافة إلى رسائله العقائدية التي تُعرف اليوم بــ «رسائل الحكمة» ([3]) كما ساهم الداعي الفارسي «نشتكين الدرزي» الذي تُنسب الطائفة لاسمه، في نشر الدعوة إليها، وإن كان قد اختلف في بعض المواقف مع «حمزة بن علي» على نحو أدى إلى اندلاع توتر بين أتباعها أحيانا.
وتتميز العقيدة الدرزية بطابع باطني صرف، قائم على «التقية» وإخفاء النصوص المقدسة عن غير «العُقَّال» وهم النخبة المتدينة التي يُسمح لها بالاطلاع على جوهر العقيدة. أما عموم الطائفة، فيُعرفون بــ «الجُهّال» وهم المكلفون بالالتزام الأخلاقي والديني دون الغوص في جوهر المضامين العقدية. وقد أسهمت هذه البنية العقائدية في إحكام الانغلاق المعرفي، والمحافظة على التماسك الداخلي للطائفة، عبر قرون من الاضطهاد والتقلبات السياسية ([4]).
وقد أنتجت النشأة الباطنية المغلقة المقرونة بظروف اضطهاد تاريخية، هوية دينية-سياسية مزدوجة للطائفة الدرزية، تتسم بالحذر والبراغماتية. وهو ما سيتكرس لاحقًا في سلوكها السياسي تجاه الدولة، كما في مواقفها المتقلبة من النزاعات الإقليمية.
ثانيا: البنية الدينية والقيادة الروحية:
تستند البنية العقائدية للطائفة الدرزية إلى تنظيم داخلي محكم يقوم على التدرّج المعرفي والوظيفي، يهدف إلى حماية العقيدة وصونها من التسرّب والانكشاف أمام غير الملتزمين أو الخارجين عن الطائفة. وقد تبلورت هذه البنية في إطار ثلاث مراتب رئيسية تُشكّل الهيكل الروحي والاجتماعي للطائفة: العقال، والأعيان، والمستورون، وهي مراتب لا تُشير فقط إلى مستويات من الالتزام الديني، بل تعكس في جوهرها طبيعة التوازن بين السرية والانفتاح الذي يُميز العقيدة الدرزية ([5]).
  • العقل (العُقّال): يمثّلون النخبة الدينية داخل الطائفة، الذين اجتازوا مراحل من التهذيب الروحي والمعرفي، وخضعوا لتعاليم داخلية صارمة، تُخولهم الاطلاع على النصوص السرّية المقدسة، وبخاصة “رسائل الحكمة” التي تُعد المرجع العقائدي الأعلى في المذهب. ويضطلع العقال بدور المحرّك الديني والاجتماعي في الجماعة، إذ يُشرفون على التعليم الديني، وقيادة الطقوس، وإصدار الفتاوى والوصايا الدنيوية. ويمتاز هؤلاء بزيّ ديني محدد، وسلوكيات أخلاقية صارمة تُميزهم عن غيرهم من أبناء الطائفة ([6]).
تُعد البنية العائلية إحدى الركائز المحورية في التشكيل الاجتماعي للطائفة الدرزية، إذ تضفي على الانتماء الطائفي طابعًا محليًا ومناطقياً متمايزًا. وقد أفرزت هذه البنية عددًا من العائلات الكبرى التي اضطلعت بأدوار دينية واجتماعية وسياسية بارزة في إدارة شؤون المجتمع الدرزي، وشكّلت في حالات كثيرة أساسًا للزعامة المحلية أو الدينية، مع تباين نسبي في مدى نفوذها، من دولة إلى أخرى.
إذ تبرز في سوريا عائلة «الأطرش» بوصفها من أعرق البيوتات الدرزية التي ارتبط اسمها بالكفاح الوطني أثناء الثورة السورية الكبرى (1925–1927) بقيادة «سلطان باشا الأطرش» كذلك تحظى عائلات مثل «آل الجرماني» و«آل عز الدين» و«آل أبو فخر» بنفوذ محلي في مناطق متعددة من جبل العرب، خصوصًا في السويداء وريفها. وتُعد هذه العائلات امتدادًا لزعامات محلية ظلت محافظة على أدوارها التقليدية رغم التحولات السياسية الحديثة ([7]).
كذلك تتمركز العائلات الدرزية بفلسطين، في الجليل والكرمل، وبرزت منها عائلات مثل «آل معدّي» في يركا، و«آل عزام» في دالية الكرمل، و«آل شنان» و«آل قبلان» و«آل سرحان» وجميعها لعبت أدوارًا في تثبيت البنية الدينية والاجتماعية للمجتمع الدرزي الفلسطيني، لاسيما في سياق العلاقة المركّبة والمعقدة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي ([8]).
أما في الأردن، فتتركّز غالبية العائلات الدرزية في منطقة الأزرق، والتي هاجرت إليها قادمة من جبل الدروز، ولا سيما من بيت «الحدّاد» وبيت «صعب» وبيت «أبو شاهين» كما تحتفظ عائلة «أبو لطيف» بتاريخ اجتماعي مرتبط بأدوار الوساطة والزعامة داخل المجتمع المحلي، رغم محدودية العدد السكاني للطائفة في المملكة الهاشمية ([9]).
وفي إسرائيل، تكتسب العائلات الدرزية طابعًا سياسيًا واضحًا، خاصة في ظل الخدمة العسكرية الإلزامية المفروضة على الدروز هناك، ما خلق زعامات محلية مدعومة من الدولة. وتبرز عائلات مثل «آل فرّاج» و«آل حلبي» و«آل نصر الدين» الذين تقلّد بعض أبنائهم مناصب رسمية في الكنيست والحكومة، كما هو الحال مع «صالح طريف» و«أيوب قرا» ([10]).
وهكذا، ينتمي «العقاّل» إلى مختلف هذه العائلات الكبرى، ويؤدون دورًا في الإرشاد الروحي وحفظ العقيدة، ويشكّلون النواة الصلبة لشبكة اجتماعية-دينية ممتدة جغرافيًا، لكنها موحّدة رمزيًا عبر “مجلس مشايخ العقل” في كل بلد. ومع أن البنية الدينية غير مركزية، فإن التنسيق المعنوي بين هذه المرجعيات ظل قائمًا، لا سيما في المحطات المصيرية التي مست الكيان الطائفي ككل.
ولا يعكس هذا التوزيع الديموغرافي فقط البنية الاجتماعية للطائفة، بل يبرز أيضًا الفوارق بين أنماط الزعامة، إذ تتكئ بعض العائلات على الشرعية التاريخية، بينما تستمد أخرى نفوذها من التماهي مع السلطات القائمة، أو من دورها في المحافظة على النسيج المحلي والتماسك الاجتماعي.
  • الأعيان: لا يخضع مصطلح “الأعيان” إلى تصنبف عقائدي بقدر ما يعبّر عن قيادات اجتماعية وسياسية محلية من داخل الطائفة، غالبًا ما تجمع بين المكانة الاجتماعية والتأثير الديني أو السياسي. وقد لعب الأعيان أدوارًا محورية في إدارة شؤون المجتمعات الدرزية في الجبل، وفي التفاوض مع السلطات المركزية، بما جعلهم حلقة وصل بين «العقال» من جهة، والعامة من جهة أخرى. ([11]).
لعب أعيان العائلات الدرزية الكبرى دورًا بنيويًا في تشكيل القيادة الروحية والاجتماعية للطائفة، إذ مثّلوا امتدادًا للسلطة التقليدية التي تجمع بين الإرث العائلي والرمزية الدينية. فعلى الرغم من غياب الهرمية الكهنوتية بالمعنى المؤسسي، حافظ هؤلاء الأعيان على دور الوسيط بين «العقّال» وبين القاعدة الاجتماعية للطائفة، لا سيما في فترات التحوّلات السياسية والصراعات الإقليمية.
ففي فلسطين، برزت عائلات مثل «آل طريف» في منطقة الجليل الأعلى، خصوصًا في بلدة جولس، حيث يشكّل الشيخ موفق طريف مرجعية دينية للطائفة في إسرائيل منذ العام 1993. وتعود زعامة العائلة إلى الشيخ أمين طريف، الذي حظي باحترام واسع داخل الطائفة وخارجها، وكان يُنظر إليه بوصفه المرجع الأعلى لط Druze spiritual leadership in Israel خلال العقود الوسطى من القرن العشرين ([12]).
وفي هذا الإطار، شكلت عائلة الأطرش في محافظة السويداء السورية – المعروفة تاريخيًا بجبل العرب – واحدة من أعرق بيوتات الأعيان، التي ارتبط اسمها بالكفاح ضد الانتداب الفرنسي، لا سيما مع سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى عام 1925م، وقد استمرت هذه العائلة في أداء أدوار قيادية محلية، سواء عبر التمثيل السياسي، أو التواصل مع مشايخ العقل، رغم تراجع نفوذها السياسي المباشر في العقود الأخيرة ([13]).
أما في الأردن، فلا تشكّل الطائفة الدرزية كتلة عددية كبرى، لكنها تتمركز في مناطق جنوبية مثل الأزرق وعمّان، وتنحدر العديد من العائلات من أصول سورية أو لبنانية هاجرت خلال القرن العشرين، ومن أبرزها عائلة «أبو عز الدين» التي ارتبطت بالنشاط الاجتماعي والوطني، خصوصًا في المجال الثقافي والسياسي. وعلى الرغم من غياب مشيخة عقل رسمية في الأردن، إلا أن أعيان هذه العائلات لعبوا أدوار تمثيل غير رسمي ضمن النسيج الوطني ([14]).
وفي إسرائيل، فقد تطوّر تموضع الطائفة ضمن الدولة العبرية منذ 1948م، وظهرت قيادات دينية وأعيان ينتمون لعائلات ذات امتداد تاريخي في فلسطين، مثل أعيان عائلة «معدي» في يركا وعائلة «سرحان» في دالية الكرمل، وبرزت شخصيات شاركت في الحياة السياسية والعسكرية. غير أنّ المرجعية الدينية بقيت متمركزة في أعيان عائلة «طريف» التي حظيت باعتراف الدولة الإسرائيلية بصفتها الممثل الرسمي للطائفة ([15]).
  • الجهّال: هم عامة أبناء الطائفة الذين لم يتلقوا التعليم العقائدي الباطني، ويُطلق عليهم اصطلاحًا «الجهّال» ليس بمعنى الجهل المطلق، وإنما بمعنى المستورين عن الاطلاع على أسرار العقيدة. ويُكلَّفون بالالتزام بالسلوك الأخلاقي العام، واحترام العقّال، دون الخوض في تفاصيل النصوص الدينية أو الطقوس السرّية. ويُعدون العمود الفقري الاجتماعي للطائفة، وتحظى بالحماية الدينية عبر النظام القيمي الجماعي، ما يعكس ازدواجية الانغلاق والانضباط في آن واحد ([16]).
ولا يمثل هذا التقسيم الهرمي داخل العقيدة الدرزية (العُقّال والأعيان والجهال) مجرد تصنيف اجتماعي، بل هو تعبير عن فلسفة دينية تهدف إلى حفظ «الحكمة» من الاندثار أو الاستغلال، وضمان بقاء العقيدة في سياقات سياسية معقدة. وهو ما يفسّر استمرار بقاء الطائفة الدرزية لقرون في بيئات متغيرة، وقدرتها على التكيّف دون التفريط بجوهرها العقائدي.
ثالثًا: التوزيع الديموغرافي
تتوزع الطائفة الدرزية على نطاق جغرافي ضيّق نسبيًا، يتمركز في أربع دول رئيسية في المشرق العربي: لبنان، وسوريا، وفلسطين، والأردن، حيث شكّلت الجغرافيا الجبلية والحدودية بيئة مثالية لنمو هذا الكيان الطائفي ذو الطبيعة الانعزالية، ومكنته في ذات الوقت، من الحفاظ على تماسكه الداخلي وسط تقلبات السلطة والتغيرات الإقليمية. ويُقدَّر عدد أبناء الطائفة اليوم بنحو مليون نسمة تقريبًا، لكن تأثيرهم يتجاوز كثيرًا حجمهم الديموغرافي، بسبب طبيعة حضورهم السياسي والعسكري.
  1. لبنان: الذي شهد تبلور دور الدروز السياسي الأكثر وضوحًا، لا سيما في جبل لبنان، الذي شكّل منذ القرن السابع عشر قاعدة ارتكاز تاريخية لهم، ومنطلقًا لحضورها العسكري والاجتماعي. وقد ارتبط هذا الدور بظهور الأسر الإقطاعية الدرزية الكبرى، وعلى رأسها «آل معن» و«آل جنبلاط» و«آل أرسلان» الذين لعبوا أدوارًا محورية في مرحلة المتصرفية وفي تأسيس الدولة اللبنانية لاحقًا ([17]).
وقد عزز الدروز موقعهم ضمن النظام الطائفي اللبناني، وفي مرحلة ما بعد الاستقلال، من خلال تولّيهم مناصب سياسية حساسة، أبرزها منصب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الذي أصبح رمزًا للحضور الدرزي بفضل كاريزما كمال جنبلاط، ثم ابنه وليد جنبلاط لاحقًا. وقد استطاع الدروز التموضع بدقة بين القوى الطائفية الكبرى، مع الحفاظ على هامش من الاستقلالية في القرار السياسي ([18]).
  1. سوريا: يتمركز الدروز أساسًا في جبل العرب (جبل الدروز) في محافظة السويداء جنوب البلاد، ويشكّلون كتلة سكانية متماسكة ذات حضور قوي في النسيج الاجتماعي. وقد شهدت العلاقة بين الدروز والدولة السورية توترات متعددة، خصوصًا خلال حكم حزب البعث، حيث واجهت الطائفة محاولات مستمرة للضبط السياسي، عبر احتواء الزعامات المحلية وتفكيك البنية التقليدية للقيادة الاجتماعية ([19]).
ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011م، وجدت الطائفة نفسها في موقع ملتبس؛ إذ سعت لأن تنأى بنفسها عن عمليات الاستقطاب الحاد بين النظام والمعارضة، وفضّلت الحياد الوقائي في البداية، ثم اضطرّت لاحقًا إلى الدفاع الذاتي في وجه تنظيمات متطرفة، الأمر الذي أعاد تفعيل بُعدها العسكري التقليدي، ولكن ضمن أطر محلية وغير مركزية ([20]).
  1. فلسطين وإسرائيل: تشكّل الأقلية الدرزية في إسرائيل واحدة من أكثر الحالات إثارة للجدل في مسألة الهوية والولاء؛ فمنذ إعلان قيام الدولة العبرية عام 1948م، تبنّت إسرائيل سياسة دمج منهجية للدروز في مؤسساتها الأمنية والعسكرية، ومنحتهم امتيازات مدنية مقارنةً بالعرب الفلسطينيين الآخرين، ما أدى إلى انخراطهم الواسع في الجيش الإسرائيلي، وخلق فجوة في الهوية بينهم وبين محيطهم العربي الفلسطيني ([21]).
وعلى الرغم من هذا الانخراط، إلا أنه لا يزال جزء من الدروز، خصوصًا في الجولان المحتل، يرفض الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية، ويعبّر عن ارتباطه بسوريا الأم، ما يبرز الانقسام الهوياتي داخل الجماعة الواحدة تبعًا للجغرافيا السياسية، وهو ما يعكس هشاشة مفاهيم الولاء لدى الأقليات في دول غير مستقرة في بنيتها الوطنية ([22]).
  1. الأردن: يُعد التواجد الدرزي في الأردن هامشيًا من حيث العدد، ويتركّز أساسًا في منطقة الأزرق شرقي البلاد، حيث هاجرت مجموعات درزية من سوريا ولبنان خلال القرن العشرين. وحرصت على الحفاظ على هويتها الثقافية والدينية ضمن إطار الولاء للدولة الأردنية، دون انخراط سياسي واسع، مما جعل حضورهم أقرب إلى الحالة الثقافية المغلقة منها إلى الفاعلية السياسية المباشرة ([23]).
رابعا: العلاقة مع المجتمع والسلطة:
يتّسم سلوك الطائفة الدرزية في علاقتها مع محيطها الاجتماعي والسلطات المركزية بقدر عالٍ من البراغماتية الحذرة، إذ غالبًا ما تسلك الطائفة نهج الانخراط المحدود الذي يوازن بين الحفاظ على الخصوصية، والانفتاح الانتقائي في ظل ظروف تتطلب ذلك. وتُظهر دراسات سوسيولوجية متعددة أن الدروز نجحوا في التكيّف مع أنظمة سياسية متناقضة (ليبرالية في لبنان، ومركزية في سوريا، واستعمارية في إسرائيل) دون التفريط بهويتهم الجمعية، أو التورط في صدامات وجودية ([24]).
  1. الهوية السياسية والاجتماعية: يشكّل الدروز في المشرق العربي حالة استثنائية فيما يتعلق بمفهوم الهوية السياسية والاجتماعية، إذ نجحت هذه الجماعة الدينية الصغيرة في بلورة توازن دقيق بين خصوصيتها العقائدية المغلقة وبين انخراطها البراغماتي في المجال العام، لا سيما في الدول التي تشكّل موطنًا رئيسًا لتواجدها. ويكمن جوهر هذه الهوية في مفارقة مزدوجة: الانكفاء العقيدي مقابل التفاعل السياسي، والولاء الوطني المشروط بالاستقرار مقابل الانتماء الطائفي القائم على البقاء.
وتعد السرية إحدى السمات الجوهرية للعقيدة الدرزية، حيث يقوم النظام العقائدي للطائفة على ما يُعرف بمبدأ “كتمان السر” أو “حفظ الحكمة”، وهو ما فرض على أتباع الطائفة نمطًا خاصًا من التديّن قائمًا على الثنائية بين “العقال” و”الجهال”، كما سبق بيانه. غير أن هذه السرية العقائدية لم تكن عائقًا أمام انخراط الدروز في الحياة العامة، بل شكّلت عاملًا مساعدًا على إعادة تشكيل دورهم السياسي والاجتماعي وفق مقتضيات المرحلة، دون تعارض ظاهري بين المعتقد والواقع ([25]).
وقد تجلّى هذا التوازن بوضوح في لبنان، حيث ساهم الدروز في بناء الدولة الحديثة، وشاركوا بفاعلية في الحياة النيابية والحزبية، وفي الوقت ذاته حافظوا على بنيتهم الاجتماعية المغلقة، وقيمهم الأخلاقية المستمدة من العقيدة. ويلاحظ أن الدروز، مقارنةً بغيرهم من الجماعات الطائفية، كانوا أقل ميلًا إلى التبشير العقائدي أو الصراع اللاهوتي، وأكثر اهتمامًا بالتموضع السياسي وحماية الكيان الطائفي من التفكك أو الذوبان ([26]).
في سوريا، اتخذ هذا التوازن طابعًا دفاعيًا، إذ حافظت الطائفة على حيادها النسبي تجاه مراكز القرار في الدولة البعثية، من دون التصادم معها، بينما سعت في الوقت نفسه إلى المحافظة على بنية اجتماعية داخلية متماسكة. أما في إسرائيل، فقد كان الانخراط في مؤسسات الدولة، لا سيما الجيش، مقترنًا بقدر عالٍ من الانفصام بين الدور الرسمي والهوية التاريخية، ما جعل بعض المفكرين الدروز يعتبرون هذه الحالة نموذجًا للاندماج القسري الموجّه سياسيًا ([27]).
  1. الولاء الوطني مقابل الانتماء الطائفي: تُعبّر العلاقة بين الولاء الوطني والانتماء الطائفي لدى الدروز عن معادلة شديدة التعقيد، تدار غالبًا وفق منطق التوازنات لا وفق ثنائية الولاء/الخيانة. فعلى الرغم من التزام الدروز، في الظاهر، بالانتماء إلى الدول التي يعيشون فيها، إلا أن قرارهم السياسي والاجتماعي غالبًا ما يُصاغ داخل الهياكل الطائفية الخاصة، ويتأثر بضرورات البقاء أكثر من الخطابات القومية أو الأيديولوجية.
في لبنان، على سبيل المثال، لطالما لعب الزعيم الدرزي دور “الوسيط” بين الدولة والطائفة، لا سيما في فترات الأزمات الوطنية، كما في الحرب الأهلية (1975–1990)، أو خلال الانقسامات الحادة في مرحلة ما بعد 2005. وقد نجحت القيادات الدرزية، وعلى رأسها وليد جنبلاط، في إعادة تعريف الولاء الوطني بوصفه وظيفة سياسية متغيرة، لا تُختزل بالانتماء إلى نظام أو معسكر، بل بالقدرة على الحفاظ على وجود الطائفة ضمن المعادلة الوطنية ([28]).
اتّسم موقف الطائفة الدرزية في سوريا منذ نشأة النظام الجمهوري عام 1946 بالتراوح بين التأييد الحذر والانكفاء الدفاعي، وهو موقف تشكّل في سياق تاريخي طويل من التهميش والتوجّس المتبادل مع الدولة المركزية. ففي أعقاب الاستقلال، خشي الدروز من اندثار خصوصيتهم الثقافية والسياسية في ظل النزعة المركزية المتزايدة للدولة، لا سيّما بعد حلّ الكيانات المحلية التي نشأت خلال فترة الانتداب الفرنسي، ومن ضمنها الكيان الدرزي في جبل العرب ([29]).
وقد شهدت سنوات الخمسينيات صدامًا بارزًا بين الدولة المركزية بقيادة أديب الشيشكلي والطائفة الدرزية، بلغ ذروته عام 1954 حين قاد الشيشكلي حملة عسكرية على الجبل، متهمًا الدروز بالتآمر على الجمهورية والتواصل مع القوى الأجنبية، مما خلّف آثارًا عميقة في الوعي الجمعي للطائفة، وأسّس لشكوك متبادلة بين الدروز والسلطة المركزية ([30]).
مع صعود حزب البعث إلى السلطة عام 1963م، ثم تثبيت الحكم الأسدي بعد عام 1970م، تبنّى الدروز خيار الانخراط الحذر في مؤسسات الدولة، دون أن يعني ذلك ذوبانًا تامًا في الأيديولوجيا البعثية. فقد مثّل بعض أبناء الطائفة جزءًا من البنية البيروقراطية والعسكرية للنظام، مثل اللواء شفيق فياض، أحد أبرز قادة الحرس الجمهوري في الثمانينيات ([31])، بينما حافظت الطائفة عمومًا على استقلال اجتماعي نسبي داخل جبل العرب.
لكنّ هذا الولاء لم يكن مطلقًا، بل خاضعًا لمعادلة الاستقرار مقابل الحياد. وقد تبلور ذلك بوضوح خلال أحداث الثمانينيات، حيث نأت الطائفة بنفسها عن الصراعات الطائفية التي اندلعت بين النظام وجماعات الإسلام السياسي، مفضّلة الحفاظ على تماسكها الداخلي وموقعها الوسيط.
ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011م، دخلت الطائفة في طور جديد من التفاعل السياسي؛ إذ تجنّب الدروز، بقيادة الزعيم الروحي الشيخ حكمت الهجري، الانخراط المباشر في الصراع المسلّح، وركّزوا على حماية مناطقهم في السويداء، مع اعتماد خطاب يؤكد على “رفض الطغيان كما رفض الفتنة” ([32]). وقد شهدت السنوات اللاحقة توترات متزايدة مع النظام، لاسيّما في ظل الانفلات الأمني في الجنوب وعمليات الاغتيال المتكررة، ما دفع بعض القوى الدرزية إلى الدعوة للحكم الذاتي المحلي، مستندين إلى الإرث التاريخي للمنطقة واستقلالها الجغرافي ([33]).
وعليه، فإن موقف الدروز في سوريا منذ نشأة النظام الجمهوري لا يمكن فهمه بمنطق الولاء أو المعارضة فقط، بل ينبغي مقاربته ضمن ديناميكيات البقاء الجماعي، والتكيّف مع الدولة المركزية في إطار متغيرات داخلية وإقليمية.
وفي فلسطين/إسرائيل، تُمثّل مسألة الولاء معضلة عميقة؛ إذ شارك الدروز في المؤسسات الإسرائيلية، وخضعوا للتجنيد الإجباري منذ خمسينيات القرن العشرين، إلا أن جزءًا كبيرًا منهم لا يزال يحتفظ بانتماء وجداني إلى الهوية العربية، خصوصًا في الجولان المحتل، حيث يرفض الكثيرون الجنسية الإسرائيلية ويرفعون العلم السوري في مناسبات عامة ([34]).
إن الهوية السياسية للدروز لا تُفهم من خلال الانتماء إلى دولة أو سلطة فقط، بل من خلال إدراكهم لذاتهم كجماعة تسعى إلى البقاء والاستمرارية دون صدام أو ذوبان، وهو ما يجعلهم أحد النماذج الفريدة لفهم الهوية الطائفية في المشرق العربي.
خامسا: الموقف الدرزي من الحروب والصراعات:
شكّل الدروز عنصرًا فاعلًا في كثير من الحروب والصراعات التي اندلعت بالمنطقة، وتجلّى تفاعلهم السياسي والعسكري في عدة ساحات، من لبنان إلى سوريا، مرورًا بفلسطين وإسرائيل. وتباينت مواقفهم بين الحياد الحذر والانخراط الفاعل، وذلك وفقا للسياقات الوطنية والحسابات الطائفية والجيوسياسية.
ففي لبنان، برز الزعيم الدرزي كمال جنبلاط، مؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي، كأحد أبرز الشخصيات السياسية في بدايات الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990م) حيث قاد «الحركة الوطنية اللبنانية» متحالفًا مع منظمة التحرير الفلسطينية وقوى يسارية ضد «الجبهة اللبنانية المسيحية» واستمر النفوذ الدرزي، بعد اغتياله عام 1977م، فقد ورث نجله «وليد جنبلاط» القيادة، وحافظ على موقع مؤثّر داخل الساحة السياسية والعسكرية خلال الحرب، من خلال «قوات الحزب التقدمي الاشتراكي» التي لعبت دورًا محوريًا في الاشتباكات مع المليشيات المسيحية، لا سيما فيما عُرف بحرب الجبل (1983م) ([35]) وعلى الرغم من أن الدروز يُشكّلون ما بين 5 إلى 6% فقط من إجمالي سكان لبنان، إلا أن حضورهم في الاقتصاد اللبناني يوازي أحيانًا تأثيرهم السياسي، إن لم يتجاوزه. فقد تميّزت طائفتهم بتكوين نخب اقتصادية بارزة، خاصة في مجالات التجارة والخدمات والمهن الحرة. إضافة إلى التوظيف في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، بما يفوق الوزن العددي النسبي للطائفة.
من أبرز الأسماء الاقتصادية في الطائفة نذكر «نقولا صحناوي» الذي تولّى وزارة الاتصالات وساهم في تطوير قطاع التكنولوجيا والاتصالات، إلى جانب شخصيات أخرى مثل «ناصيف حاتم» في القطاع المصرفي، وعائلة «أرسلان» التي تمزج بين النشاطين السياسي الاستثماري، فضلًا عن عائلة «الخطيب» المعروفة بأنشطتها في التجارة والتعليم، وعائلة «أبو فاضل» المعروفة في مجال التطوير العقاري في جبل لبنان. وتُشير تقارير محلية إلى أن نسبة ملكية الدروز للأراضي في قضاء عاليه والشوف تبلغ أكثر من 65% من مجموع المساحات المسجلة، وهو ما يمنحهم قدرة تفاوضية في مشاريع البنى التحتية والتطوير العمراني ([36])
كما لعبت الجمعيات والهيئات الدرزية دورًا تنمويًا في دعم المجتمع المحلي، مثل «مؤسسة العرفان التوحيدية» التي تجمع بين التعليم والخدمات الاجتماعية، وتُعَدّ من أدوات التمكين المجتمعي والاقتصادي للطائفة. وتشير تقارير محلية إلى أن نسبة التعليم الجامعي بين الدروز في لبنان تفوق 80% من الفئات العمرية الشابة، وهي من أعلى النسب بين الطوائف اللبنانية، ما يعزز حضورهم في المهن الرفيعة والقطاعات التقنية والإدارية المتقدمة ([37]).
وقد مكنت هذه القوة الناعمة الاقتصادية والاجتماعية الدروز من تعزيز «رأسمالهم الرمزي» داخل المعادلة اللبنانية، بحيث باتت الطائفة تُحافظ على قدر من الاستقلال المالي والمؤسساتي، يُتيح لها ممارسة أدوار تتجاوز أحيانًا حجمها العددي، وتُكرّس شكلًا من التموضع المزدوج بين الدولة والطائفة، وهو تموضع يتكامل مع الولاء السياسي المرن الذي سبقت الإشارة إليه.
أما الوضع في فلسطين وإسرائيل، فيشكّل الدروز حالة استثنائية في خريطة الأقليات الدينية في المنطقة، إذ تطوّرت علاقاتهم مع الدولة الإسرائيلية ضمن مسار تاريخي معقّد تشكّل على وقع الصراع العربي الإسرائيلي، خاصة حرب عام 1948م، التي أحدثت شرخًا كبيرًا في النسيج الوطني الفلسطيني ودفعت قطاعات درزية إلى اتخاذ مواقف مغايرة عن باقي الطوائف الأخرى. وقد استثمرت إسرائيل هذا التمايز في سعيها لدمج الدروز ضمن مشروعها الأمني والسياسي، عبر سنّ قانون التجنيد الإجباري للدروز عام 1956م، وهو ما لم يُفرض على سائر المواطنين العرب ([38]).
ويُقدّر عدد الدروز في إسرائيل بنحو 145 ألف نسمة وفق إحصاءات 2022م، ويشكّلون قرابة 1.6% من السكان الإسرائيليين، ويتركزون في الجليل الأعلى والجولان المحتل، حيث تبرز بلدات مثل دالية الكرمل، عسفيا، بيت جن، ومجدل شمس ([39]). أما في الضفة الغربية وقطاع غزة، فتوجد بقايا محدودة منهم، خصوصًا في منطقة الخليل، لكنها غير ذات وزن ديموغرافي أو ثقل سياسي بارز بعد عام 1967م.
وقد أدى إدماج الدروز في الجيش وأجهزة الأمن الإسرائيلية إلى إتاحة فرص عمل لهم بالقطاعين العسكري والمدني، وهو ما ساهم تدريجيًا في تكوين طبقة درزية وسطى مرتبطة بالدولة ومؤسساتها. كما سمحت سياسات الدولة باستثمارات موجهة في البلدات الدرزية، على الرغم من أنها كانت أدنى من مستوى الدعم الموجّه للبلدات اليهودية ([40]). كما أدى اندماجهم في المجتمع الإسرائيلي إلى بروز شخصيات منهم داخل الكنيست، مثل «أيوب قرا» من حزب الليكود، و«سعيد نفاع» من التجمع الوطني الديمقراطي سابقًا، ولعل هذا ما يشير إلى تنوّع التوجهات داخل الطائفة الدرزية.
غير أنّ التأثير الدرزي ظل محدودا تحكمه اعتبارات أمنية أو تحالفات حزبية. والخطاب القومي اليهودي. ومع هذا شكّلت هوية الدروز في المجتمع الإسرائيلي موضوعًا خلافيًا، لا سيما بعد إقرار «قانون القومية» عام 2018م، الذي نصّ على أن إسرائيل هي «الدولة القومية للشعب اليهودي» مما أثار احتجاج درزي واسع، عبّر عنه عدد من الجنود والضباط بتقديم استقالاتهم من الجيش وإصدار بيانات علنية ([41]). وهو الأمر الذي يشير إلى أن الاندماج الدرزي في إسرائيل ظل مشروطًا، وتُحددّه عوامل متغيرة ترتبط بمكانة الطائفة داخل الدولة، وليس فقط بالولاء الأيديولوجي. فمن المعروف تاريخيًا، أن معظم الدروز في الجولان المحتل امتنع عن نيل الجنسية الإسرائيلية عقب احتلاله عام 1967م، وهو ما يشير إلى تمايز العلاقة بين الدروز داخل الخط الأخضر وبين دروز الجولان، الذين حافظوا على هويتهم السورية، وبرزوا في الاحتجاجات المتكررة ضد سياسات الضم والمصادرة ([42]).
وهكذا، يُعدّ الدروز في إسرائيل نموذجًا للأقلية التي اختبرت «الاندماج الأمني» دون اندماج مدني أو وطني كامل، في وضع فريد
في إسرائيل، إذ ينتمي معظمهم في مناطق الـ 48 (ولا سيما في الجليل والكرمل) إلى المواطنين العرب في إسرائيل، لكنهم يتميّزون بإجبارية الخدمة العسكرية ضمن الجيش الإسرائيلي، بخلاف بقية العرب. وقد ساهم ذلك في خلق فجوة بينهم وبين محيطهم الفلسطيني، رغم استمرار الأصوات الدرزية الرافضة للتجنيد الإجباري. وفي المقابل، يشهد مجتمع الدروز في الجولان السوري المحتل موقفًا أكثر رفضًا لإسرائيل، حيث لا يزال الانتماء القومي العربي والولاء لسوريا هو السائد، وقد ظهر ذلك جليًا في رفض التجنيس الإسرائيلي من قبل معظم سكان الجولان ([43]).
أما موقف الدروز من النظام السوري، فيمكن القول إنهم يشكلون جزءا من النسيج الوطني السوري، منذ تأسيس الجمهورية. ولكنهم احتفظوا في أيضا بخصوصية مناطقية وسياسية نتيجة تمركزهم في جبل العرب (جبل الدروز سابقًا) وما تراكم من إرث مقاوم للاستعمار الفرنسي، بقيادة سلطان باشا الأطرش. ومع قيام النظام الجمهوري، ثم وبعد وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963م، بدأت ملامح العلاقة بين الدولة المركزية والدروز تأخذ طابعًا مركبًا. فمن جهة، تم دمج أبناء الطائفة في مؤسسات الدولة، خاصة الجيش، فبرز عدد من الضباط الدروز في السبعينيات والثمانينيات، أبرزهم اللواء «فهد الشاعر» والعماد «ناصيف جربان» ومن جهة أخرى، سعت السلطة إلى تحجيم الطابع السياسي المستقل للطائفة، وتفكيك إمكانيات تمثيلها خارج النظام البعثي.
ويُقدّر عدد أبناء الطائفة الدرزية في سوريا بما يقارب 700 ألف نسمة، أي ما نسبته حوالي 3% من عدد السكان قبل 2011م، ويتركزون أساسًا في محافظة السويداء، إضافة إلى جيوب صغيرة في ريف دمشق والقنيطرة. ومع أن الطائفة لعبت دورًا بارزًا في مرحلة النضال ضد الانتداب الفرنسي، إلا أن حضورها السياسي في الدولة السورية الحديثة بقي محدودًا نسبيًا، خاصة منذ أن استولى البعثيون على السلطة عام 1963م، ثم ترسيخ نظام الأسد الأب لهيكل حكم يقوم على ولاءات أمنية وطائفية منتقاة.
وبالتالي انخرط بعض الدروز في بنية النظام، وبرز منهم «صلاح الدين البيطار» (المؤسس البعثي) و«فريد العطار» (قائد لواء عسكري) ثم لاحقًا اللواء «وفيق ناصر» الذي تولى رئاسة فرع الأمن العسكري في الجنوب، ولعب دورًا حاسمًا في السيطرة على محافظة السويداء خلال العقد الماضي. ومع هذا ظل الخطاب العام للطائفة يميل إلى النأي بالنفس، مع تصاعد الانتقادات ضمن المجتمع الدرزي تجاه تورط شخصيات محسوبة على الطائفة في القمع، خصوصًا بعد 2011م ([44]).
كما لا تشكّل المناطق الدرزية مركزًا اقتصاديًا كبيرًا في سوريا، إلا أن المغتربين الدروز، وخصوصًا في الأرجنتين وفنزويلا، لعبوا دورًا في دعم الاقتصاد المحلي عبر التحويلات المالية، والاستثمار العقاري والخدمات بمحافظة السويداء. ورغم التهميش الذي تعانيه السويداء من قبل الدولة، إلا أن مجتمعها المحلي أبدى درجات من الاعتماد الذاتي، تمثلت في قيام مجالس مدنية بإدارة الشؤون اليومية، لا سيما في ظل الانفلات الأمني، الذي بدأت سوريا تشهده، منذ عام 2011م، وتُظهر تقارير محلية أن البطالة في هذه المحافظة تجاوزت 60% بحلول عام 2021م، وأن أكثر من 40% من شبابها باتوا يعتمدون على المساعدات الخارجية، أو الانخراط في شبكات تهريب عابرة للحدود ([45]).
والحقيقة أن الصراع الداخلي بسوريا أدت إلى تحولات في بنية المجتمع الدرزي، منها الهجرة الواسعة نحو أوروبا وكندا، والتهرب من التجنيد في الجيش النظامي، في ظل الخسائر التي تعرّض الشبان الدروز خلال المعارك في درعا والغوطة. ثم تبلور خطاب محلي، في السنوات الأخيرة، يدعو إلى «الحياد الإيجابي» ورفض المشاركة في الصراع الطائفي، وهو ما ظهر في رفض كثير من عائلات السويداء إرسال أبنائهم إلى جبهات القتال، أو التعاون مع الأجهزة الأمنية، رغم جميع المحاولات والضغوط المختلفة.
سادسا: أزمة السويداء:
شهدت محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية بجنوب سوريا، منذ صيف عام 2023م، حالةً من العصيان المدني والسياسي المتصاعد ضد السلطات السورية، في واحدة من أجرأ حركات المعارضة المحلية منذ اندلاع الصراع الداخلي عام 2011م، والذي بدأ حراكه في صورة احتجاج سلمي على تدهور الأوضاع المعيشية وغياب العدالة الاقتصادية، ولكنه سرعان ما اتخذ طابعًا سياسيًا واضحًا، رُفعت فيه شعارات تطالب بإسقاط النظام، في مشهد غير مسبوق داخل منطقة كانت تُعد مستقرة نسبيًا خلال سنوات الحرب. ([46])
وقد تزامن ذلك مع صدامات متكررة بين الفصائل المحلية، مثل «قوات مكافحة الإرهاب» في السويداء، وبعض الميليشيات المدعومة من النظام السوري، إضافة إلى توتر العلاقة مع بعض العشائر السنية بمحافظة درعا المجاورة، والتي اتهمت دروز السويداء بالتنسيق مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، وهي اتهامات روج لها إعلام النظام في سياق استثمار الانقسام الأهلي. ([47])
وقد زادت المواجهات المسلحة بين الطرفين بعد محاولات اقتحام متبادلة وعمليات اختطاف وردود فعل انتقامية متبادلة، مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف المدنيين. بينما بات النظام السوري الجديد أمام عصيان مدني منظم ومدعوم جزئيًا من رجال الدين الدروز، أبرزهم الشيخ «حكمت الهجري» ([48]) الأمر الذي دفعه إلى استخدام القوة العسكرية غير المباشرة، بما في ذلك قصف محدود لبعض مناطق التوتر والتهديد باجتياح بري لم يتم تنفيذه حتى الآن.
من جانب آخر، أفادت تقارير بأن الضربات الجوية التي استهدفت مواقع عسكرية في جنوب سوريا خلال هذه الفترة (نُسبت إلى إسرائيل) جاءت في سياق تعقيد المعادلة الأمنية في الجنوب، حيث أصبحت السويداء مرآة تعكس مأزق النظام السوري في التعامل مع مناطق ترفض الخضوع الكامل دون أن تكون بالضرورة معارضة مسلحة تقليدية. ([49])
وعلى الرغم من احتواء التصعيد جزئيًا، إلا أن الأزمة سلطت الضوء على تحول المزاج العام لدى دروز سوريا، من الحياد الحذر إلى رفض النظام بشكل مباشر، مدفوعًا بالفقر والفساد وتقلص الخيارات، وهو ما قد يُنذر بمرحلة جديدة من التوتر بالجنوب السوري.
وأخيرا، يمكن القول إنه لا يمكن قراءة مستقبل الدروز خارج سياق التحولات الكبرى في الإقليم، حيث تسير المنطقة نحو مزيد من الاستقطاب الطائفي، وتكريس النفوذ الإقليمي. وهنا تبدو الخيارات أمام الدروز محدودة، إذ يصعب الانخراط الكامل في أي محور دون المخاطرة بخسارة التوازن الذي طالما حافظوا عليه على مر التاريخ. وبالتالي، فمن المحتمل أن تسلك السويداء أحد مسارين: إما تعزيز استقلاليتها كمنطقة شبه ذاتية الإدارة، تحكمها المرجعيات المحلية، مدعومة بتفاهمات ضمنية مع النظام، أو الانزلاق نحو المواجهة معه في حال تعثرت تلك التفاهمات. خاصة إذا استمرت الأزمة الاقتصادية وتعمقت حالة الانفصال عن المركز. أما في لبنان، فيرتهم مصير الدروز باستقرار المعادلة الطائفية، وبقدرة الزعامة التقليدية على التموضع الصحيح ضمن شبكة التحالفات الداخلية والإقليمية. وفي فلسطين، يبدو المستقبل أكثر غموضًا، في ظل تنامي الانقسام داخل المجتمع الدرزي الإسرائيلي بين مؤيد للاندماج الكامل ورافض للسياسات العنصرية، خصوصًا مع صعود اليمين المتطرف في إسرائيل.
إن الدروز، وقد أثبتوا عبر التاريخ قدرتهم على النجاة من صراعات طاحنة، مدعوون اليوم إلى إعادة تعريف تموضعهم في ظل متغيرات إقليمية فريدة، يتطلب منهم التوازن بين الحفاظ على الهوية، والانخراط في معادلات النفوذ، دون الانزلاق إلى منطق العزلة، أو الوقوع في فخ التحالفات الظرفية قصيرة الأمد.
 المراجع والهوامش متاحه في ملف الـ pdf
1win 1win giriş 1win 1win giriş